فصل: القول في أحكام المبعض

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الأشباه والنظائر في قواعد وفروع فقه الشافعية ***


القول في أحكام العبد

قال أبو حامد في الرونق‏:‏ يفارق العبد الحر في خمسين مسألة‏:‏

لا جهاد عليه‏,‏ ولا تجب عليه الجمعة‏,‏ ولا تنعقد به‏,‏ ولا حج عليه‏,‏ ولا عمرة إلا بالنذر‏,‏ وعورة الأمة كعورة الرجل‏,‏ ويجوز النظر إلى وجهها لغير محرم‏,‏ ولا يكون شاهدا‏,‏ ولا ترجمانا ولا قائفا‏,‏ ولا قاسما‏,‏ ولا خارصا‏,‏ ولا مقوما‏,‏ ولا كاتبا للحاكم‏,‏ ولا أمينا للحاكم ولا قاضيا ولا يقلد أمرا عاما ولا يملك ولا يطأ بالتسري ولا تجب عليه الزكاة إلا زكاة الفطر‏,‏ ولا يعطى في الحج في الكفارات مالا ولا يأخذ من الزكاة والكفارة شيئا إلا سهم المكاتبين‏,‏ ولا يصوم غير الفرض إلا بإذن سيده‏,‏ ولا يلزم سيده إقراره بالمال‏,‏ ولا يكون وليا في النكاح‏,‏ ولا في قصاص‏,‏ ولا حد‏,‏ ولا يرث‏,‏ ولا يورث‏,‏ وحده النصف من حد الحر‏,‏ ولا يرجم في الزنا‏.‏ وتجب في إتلافه قيمته‏,‏ وما نقص منه بقيمة‏,‏ ولا يتحمل الدية‏,‏ ولا يتحمل عنه‏,‏ ولا تتحمل العاقلة قيمته‏,‏ ولا يتزوج بامرأتين‏,‏ سواء كانتا حرتين أم أمتين‏,‏ وطلاقه اثنتان‏.‏ وعدة الأمة قرءان ولا لعان بينها وبين سيدها في أحد القولين‏,‏ ولا ينفى في الزنا في أحد القولين‏,‏ ولا يقتل به الحر‏,‏ ولا من فيه بعض الحرية‏,‏ ولا يؤدى به فروض الكفارة ولا يتزوج بنفسه ويكره على التزويج‏,‏ وقسم الأمة على النصف من قسم الحرة‏,‏ ولا يحد قاذفه‏,‏ ولا يسهم له من الغنيمة‏,‏ ويأخذ اللقطة على حكم سيده‏,‏ ولا يكون وصيا‏,‏ ولا تصح كفالته إلا بإذن سيده‏,‏ ويجعل صداقا ويجعل نذرا‏,‏ ويكون رهنا‏.‏ انتهى‏.‏

قلت‏:‏ لقد جمع أبو حامد فأحسن‏,‏ وبقي عليه أشياء‏,‏ أذكرها بعد أن أتكلم على ما ذكره‏.‏

فقوله‏:‏ ولا حج‏,‏ ولا عمرة إلا بالنذر‏,‏ فيه أمران‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه لا يلزمه الحج والعمرة بغير طريق النذر وهو الإفساد‏,‏ إذا أحرم ثم جامع فإنه يلزمه القضاء على المذهب‏,‏ وبه قطع جماهير الأصحاب‏;‏ لأنه مكلف‏,‏ وهل يجزيه في حال رقه‏؟‏ قولان أصحهما‏:‏ نعم‏.‏

والأمر الثاني‏:‏ إذا لزمه ذلك بالنذر‏,‏ فهل يصح منه في حال رقه‏؟‏ قال الروياني‏:‏ فيه وجهان‏.‏ كما في قضاء الحجة التي أفسدها‏.‏ كذا في شرح المهذب عنه‏.‏

وصرح في زوائد الروضة بتصحيح الإجزاء‏.‏

وقوله‏:‏ وعورة الأمة كعورة الرجل‏,‏ هو الأصح‏.‏ وفي وجه‏:‏ أنها كالحرة‏,‏ إلا الرأس‏,‏ وفي آخر‏:‏ إلا الرأس والساق‏.‏ وفي ثالث‏:‏ إلا ما يبدو في حال الخدمة‏,‏ وهما المذكوران‏,‏ والرقبة‏,‏ والساعد‏.‏ 

وقوله‏:‏ ويجوز النظر إلى وجهها‏,‏ هو وجه صححه الرافعي‏,‏ وصحح النووي أنها في ذلك كالحرة‏.‏

وقوله‏:‏ ولا يكون شاهدا‏.‏ استثني منه صورتان على رأي ضعيف‏.‏

الأولى‏:‏ هلال رمضان إذا اكتفينا فيه بواحد‏.‏ في جواز كونه عبدا وجهان أصحهما‏:‏ المنع‏.‏

والثانية‏:‏ إسماع القاضي الأصم إذا لم يشترط فيه العدد في جواز كون المسمع عبدا‏:‏ وجهان‏,‏ كالهلال أصحهما المنع‏.‏

وقوله‏:‏ ولا قائفا‏,‏ هو الأصح وفيه وجه‏.‏

وقوله‏:‏ ولا كاتبا لحاكم‏,‏ هو الصحيح‏.‏ وقال القفال في شرح التخليص‏:‏ يجوز كونه كاتبا‏;‏ لأن الكتابة لا يتعلق بها حكم‏;‏ لأن القاضي لا يمضي ما كتبه حتى يقف عليه‏,‏ والمعتمد إنما هو شهادة الشهود الذين يشهدون بما تضمنه المكتوب‏.‏

وقوله‏:‏ ولا يملك‏,‏ هو الأظهر وفي قول قديم‏:‏ أنه يملك بتمليك السيد ملكا ضعيفا‏.‏ للسيد الرجوع فيه متى شاء وفي احتياجه إلى القبول وجهان‏,‏ بناء على إجباره في النكاح‏.‏ قال الرافعي‏:‏ ولا يجري الخلاف في تمليك الأجنبي‏.‏

وفي المطلب‏:‏ أن جماعة أجروه فيه منهم القاضي حسين والماوردي‏.‏

وقوله‏:‏ ولا تجب عليه الزكاة إلا زكاة الفطر إن أراد الوجوب بسببه‏,‏ فيجب فيه زكاة التجارة أيضا‏,‏ وإن أراد أن الوجوب يلاقيه‏,‏ وهو مبني على الخلاف في زكاة الفطر هل الوجوب يلاقي المؤدى عنه ثم يتحملها المؤدي‏,‏ أو لا‏؟‏ فيه قولان‏:‏ أصحهما الأول‏.‏ قال‏:‏ وتظهر فائدته فيما إذا لم يخرج السيد عنه ثم عتق‏,‏ هل يخرج ما مضى‏؟‏‏.‏

قوله‏:‏ ولا يورث‏,‏ قد يستثنى منه مسألة وهو ما لو وجب له تعزير بقذف ومات‏,‏ فإن الأصح أن حقه ينتقل إلى سيده‏;‏ لأنها عقوبة وجبت بالقذف‏,‏ فلم تسقط بالموت كالحد‏.‏ قال الأصحاب‏:‏ وليس ذلك على سبيل الإرث ولكنه أخص الناس به‏.‏

فما ثبت له في حياته يكون لسيده بعد موته بحق المال‏.‏

وفي وجه‏:‏ يستوفيه أقاربه‏;‏ لأن العار يعود عليهم‏.‏

وفي ثالث‏:‏ يستوفيه السلطان‏,‏ كحر لا وارث له‏.‏

وفي رابع‏:‏ يسقط فعلى هذا يفارق الحر‏.‏

قوله‏:‏ ولا تتحمل العاقلة قيمته هو قول‏,‏ والأظهر خلافه وعلى الأول لا يجري فيه القسامة وتجري على الثاني‏.‏

وعجبت لأبي حامد‏,‏ كيف جزم بذلك القول‏,‏ ولم يذكر مسألة القسامة‏؟‏‏,‏‏.‏ قوله‏:‏ وطلاقه‏,‏ اثنتان‏.‏ 

قوله‏:‏ وعدة الأمة قرءان‏,‏ بقي عليه ذات الأشهر ولها شهر ونصف في الأظهر‏.‏

والثاني‏:‏ شهران‏.‏ والثالث‏:‏ ثلاثة كالحرة‏,‏ والمتوفى عنها ولها شهران وخمسة أيام‏.‏

قوله‏:‏ ولا لعان بينها وبين سيدها في أحد القولين وهو الأظهر‏.‏

قوله‏:‏ ولا ينفى في الزنا في أحد القولين‏,‏ والأظهر أنه ينفى نصف سنة‏,‏ وفي قول‏:‏ سنة‏,‏ كالحر‏.‏ قوله‏:‏ ويكره على التزويج هو في الأمة كذلك‏,‏ وفي العبد قول‏,‏ والأظهر أنه لا يجبر سواء كان كبيرا أو صغيرا‏.‏

قال ابن الرفعة‏:‏ القياس أن إحرام السيد عن عبده كتزويجه‏.‏

قوله‏:‏ ولا يسهم له من الغنيمة‏,‏ هذا إن كان في المقاتلة حر‏,‏ فإن كانوا كلهم عبيدا فأوجه‏,‏ أصحها يقسم بينهم أربعة أخماس ما غنموه كما يقسم الرضخ على ما يقتضيه الرأي من تسوية وتفضيل‏.‏

والثاني‏:‏ يقسم كالغنيمة‏.‏ والثالث يرضخ لهم منه ويجعل الباقي لبيت المال‏.‏

قوله‏:‏ ويأخذ اللقطة‏,‏ الأظهر أنه لا يصح التقاطه ولا يعتد بتعريفه‏.‏

قوله‏:‏ ولا تصح كفالته إلا بإذن سيده كذلك ضمانه‏.‏

هذا ما يتعلق بما ذكره‏.‏

وبقي عليه أنه لا يؤذن لجماعة ولا يحضرها إلا بإذن سيده‏,‏ ذكر الأول في شرح المهذب والثاني‏:‏ القاضي حسين‏,‏ والحر أولى منه في الأذان كما في شرح المهذب‏.‏

والإمامة والجنازة ونذره للحج صحيح بلا إذن كما في الروضة وأصلها‏,‏ وللصلاة والصوم‏.‏

قال في الجواهر‏:‏ ينبغي صحتها‏.‏

وللقرب المالية في الذمة‏.‏ قال في الكفاية‏:‏ كضمانه فيتوقف على الإذن‏.‏

ولا يصح منه بيع ولا غيره من العقود إلا بإذن السيد ولا يكون وكيلا في إيجاب النكاح ولا عاملا في الزكاة‏,‏ إلا إذا عين له الإمام قوما يأخذ منهم قدرا معينا وهل يعطى حينئذ من سهم العاملين‏؟‏‏.‏

وفي استحقاقه‏:‏ سلب القتيل الذي يقتله وجهان‏:‏ أصحهما نعم‏.‏

وفي قبول الوصية والهبة وتملك المباحات بلا إذن‏,‏ وجهان‏.‏

ولا جزية عليه ولا فطرة عن امرأته‏,‏ بل تجب على سيدها إن كانت أمة‏,‏ ونفقته نفقة المعسرين ولا تنكح الأمة إلا بشروط ولا على الحرة ولا تخدم وإن كانت جميلة في الأصح لنقص الرق‏.‏

فإذا نكحها العبد على الحرة‏,‏ ففي استحقاقها السبع والثلاث وجهان‏:‏ أصحهما نعم كالحرة‏;‏ لأنه شرع لارتفاع الحشمة وحصول المباسطة‏,‏ وهو يتعلق بالطبع فلا يختلف بالرق والحرية‏.‏ وفي وجه‏:‏ تستحق الشطر كالقسم‏,‏ وفي وجه يكمل المنكسر كالأقراء والطلاق والأشبه لا‏;‏ لأن التنصيف فيه ممكن‏.‏

ولا تصير الأمة فراشا‏.‏ بمجرد الملك حتى توطأ‏,‏ وتصير الحرة فراشا بمجرد العقد‏.‏

وإذا زوجها السيد استخدمها نهارا وسلمها للزوج ليلا‏,‏ ولا نفقة على الزوج حينئذ في الأصح ويسافر بها السيد بدون إذنه‏.‏

ويضمن العبد باليد ويقطع سارقه ويضمن منافعه بالفوات بخلاف الحر في الثلاث ويصح وقفه‏,‏ ولا يصح وقف الحر نفسه‏,‏ ولا تصح وصيته وقيل إن عتق ثم مات صحت‏.‏

ولا يصح الوقوف عليه‏.‏ لنفسه ولا الإيصاء له‏.‏

ولا توطأ الأمة بمجرد الملك حتى تستبرأ وتوطأ الحرة بمجرد العقد ويحصل استبراؤها بوضع حمل زنا ولا يتصور انقضاء عدة الحرة بحمل زنا‏.‏

وتجب نفقة العبد والأمة وفطرتهما‏,‏ وإن عصيا وأبقا بخلاف الزوجة لأنها في الرقيق للملك‏,‏ وهو باق مع الإباق والعصيان‏.‏ وفي الزوجة للاستمتاع وهو منتف مع النشوز‏,‏ ونفقة الزوجة مقدرة ولا تسقط بمضي الزمان ونفقة الرقيق للكفاية وتسقط بمضيه‏.‏

ويفضل بعض الإماء على بعض في النفقة والكسوة بخلاف الزوجات‏,‏ ولا حصر لمدد التسري ولا يجب لهن قسم‏,‏ ويجوز جمعهن في مسكن بغير رضاهن‏,‏ ولا يجري فيهن ظهار ولا إيلاء ولا تطالب سيدها العنين بوطء ولا تمنع منه إن كان به عيب‏.‏

ولا تجب نفقة الرقيق على قريبه‏,‏ ولا حضانة له ولا يحضنه أقاربه‏,‏ بل سيده‏,‏ ولا عقيقة له كما ذكره البلقيني تخريجا‏,‏ ولو كان أبوه غنيا‏;‏ لأنه لا نفقة له عليه وإنما يخاطب بالعقيقة من عليه النفقة ولا يسن للسيد أن يعق عن رقيقه وفي ذلك قلت ملغزا‏:‏ 

تنبيه‏:‏

الجناية على العبد تارة تكون من غير إثبات يد وتارة بإثبات اليد فقط وتارة بهما‏.‏

فالأول تجب فيه القيمة في نفسه وفي أطرافه من القيمة ما في أطراف الحر من الدية وفي غير المقدرة ما نقص منها‏.‏

والثاني فيه أرش النقص فقط‏.‏

والثالث فيه أكثر الأمرين منهما‏.‏

حكم إقراره يقبل فيما أوجب حدا أو قصاصا لانتفاء التهمة‏.‏

فلو أقر بالقصاص فعفا على مال فالأصح تعلقه برقبته وإن كذبه السيد‏;‏ لأنه إنما أقر بالعقوبة واحتمال المواطأة فيها بعيد‏,‏ وإن أقر بسرقة قطع ولا يقبل في المال إذا كان تالفا في الأظهر‏,‏ بل يتعلق بذمته كما لو أقر به ابتداء‏,‏ وإن كان باقيا‏,‏ وهو في يد السيد لم ينزع منه إلا ببينة أو في يد العبد فقيل‏:‏ يقبل قطعا وقيل‏:‏ لا قطعا وقيل قولان والأظهر‏:‏ لا يقبل مطلقا‏,‏ وإن أقر بدين جناية أو غصب أو سرقة لا يوجب القطع أو إتلاف وصدقه السيد تعلق برقبته‏,‏ وإلا فبذمته أو معاملة ولم يكن مأذونا له لم تتعلق برقبته بل بذمته أو مأذونا قبل وأدى من كسبه‏.‏

الأموال المتعلقة بالعبد‏.‏

هي أقسام‏:‏

الأول‏:‏ ما يتعلق برقبته فيباع فيه‏,‏ وذلك أرش الجناية وبدل المتلفات سواء كان بإذن السيد أم لا لوجوبه بغير رضى المستحق‏.‏

ويستثنى‏:‏

ما إذا كان العبد صغيرا لا يميز أو مجنونا أو أعجميا يرى وجوب طاعة الأمر في كل شيء‏,‏ فلا يتعلق برقبته ضمان على الأصح‏;‏ لأنه كالآلة‏,‏ فأشبه البهيمة والثاني‏:‏ نعم لأنه بدل متلف‏.‏

الثاني‏:‏ ما يتعلق بذمته فيتبع به إذا عتق وهو ما وجب برضى المستحق دون السيد كبدل المبيع والقرض إذا أتلفهما‏,‏ وكذا لو نكح وزاد على ما قدره له السيد‏,‏ فالزائد في ذمته أو امتثل وليس مكتسبا ولا مأذونا له‏.‏

وفي قول هو في هذه الحالة على السيد وفي آخر في رقبته‏.‏

ولو نكح بغير إذن سيده ووطئ فهل يتعلق مهر المثل بذمته لكونه وجب برضى مستحقه أو برقبته‏;‏ لأنه إتلاف قولان أظهرهما‏:‏ الأول‏.‏

 فإن كان بغير رضاه كأن نكح أمة بغير إذن سيدها ووطئها فطريقان‏:‏

أحدهما‏:‏ طرد القولين‏.‏

والثاني‏:‏ القطع بتعلقه بالرقبة وبه قال ابن الحداد كما لو أكره أمة أو حرة على الزنا‏.‏

ولو أذن سيده في النكاح فنكح فاسدا ووطئ‏,‏ فهل يتعلق بذمته أو رقبته أو سنه‏؟‏ أقوال أظهرها الأول‏.‏

ولو أفطرت في رمضان لحمل أو رضاع خوفا على الولد فالفدية في ذمتها قاله القفال‏.‏

الثالث‏:‏ ما يتعلق بكسبه وهو ما ثبت برضاهما وذلك المهر والنفقة إذا أذن له السيد في النكاح‏,‏ وهو كسوب أو مأذون له في التجارة‏,‏ وكذا إذا نكح صحيحا وفسد المهر أو أذن له في نكاح فاسد ووجب مهر المثل كما ذكره الرافعي قياسا‏,‏ أو ضمن بإذن السيد أولزمه دين تجارة‏.‏ وحيث قلنا يتعلق بالكسب فسواء المعتاد والنادر على الصحيح‏,‏ ويختص بالحادث بعد الإذن دون ما قبله‏.‏

وحيث كان مأذونا تعلق بالربح الحاصل بعد الإذن وقبله وبرأس المال في الأصح‏.‏

وحيث لم يوف في الصور تعلق الفاضل بذمته ولا يتعلق بكسبه بعد الحجر في الأصح‏,‏ وفي وجه أن المال في الضمان متعلق بذمته وفي آخر برقبته‏.‏

الرابع‏:‏ ما يتعلق بالسيد وذلك جناية المستولدة والعبد الأعجمي وغير المميز كما مر‏,‏ والمهر والنفقة إذا أذن في النكاح على القديم‏.‏

تنبيه‏:‏

من المشكل قول المنهاج فإن باع مأذون له وقبض الثمن فتلف في يده فخرجت السلعة مستحقة رجع المشتري ببدلها على العبد وله مطالبة السيد أيضا‏,‏ وقيل‏:‏ لا‏,‏ وقيل‏:‏ إن كان في يد العبد وفاء‏,‏ فلا‏.‏ ولو اشترى سلعة‏,‏ ففي مطالبة السيد بثمنها هذا الخلاف‏,‏ ثم قال‏:‏ ولا يتعلق دين التجارة برقبته ولا ذمة سيده‏,‏ بل يؤدى من مال التجارة‏.‏ وكذا من كسبه‏.‏

فما ذكره‏:‏ من أن دين التجارة لا يتعلق بذمة السيد‏,‏ مخالف لقوله قبل‏:‏ إن السيد يطالب ببدل الثمن التالف في يد العبد وبثمن السلعة التي اشتراها أيضا‏.‏ وقد وقع الموضعان كذلك في المحرر والروضة وأصلها‏.‏

قال في المطلب‏:‏ ولا يجمع بينهما بحمل الأول على مجرد المطالبة والثاني على بيان محل الدفع‏,‏ فإن الوجه الثالث المفصل يأبى ذلك‏.‏

قال السبكي والأسنوي‏:‏ وسبب وقوع هذا التناقض أن المذكور أولا هو طريقة الإمام‏,‏ وأشار في المطلب إلى تضعيفها‏,‏ وثانيا هو طريقة الأكثرين فجمع الرافعي بينهما فلزم منه ما لزم‏.‏

وحمل البلقيني قولهم‏:‏ إن دين التجارة لا يتعلق بذمة السيد على أن المراد بسائر أمواله‏.‏

القول في أحكام المبعض

هي أقسام‏:‏

الأول‏:‏ ما ألحق فيه بالأحرار بلا خلاف‏.‏

وفي ذلك فروع‏:‏

منها‏:‏ صحة البيع والشراء‏,‏ والسلم‏,‏ والإجارة‏,‏ والرهن‏,‏ والهبة‏,‏ والوقف‏,‏ وكل تبرع إلا العتق‏,‏ والإقرار‏,‏ بأن لا يضر المالك‏.‏

ويقبل فيما يضره في حقه‏,‏ دون سيده ويقضى مما في يده‏.‏

ومنها‏:‏ ثبوت خيار المجلس‏,‏ والشرط والشفعة‏.‏

ومنها‏:‏ صحة خلعها‏,‏ وفسخ النكاح بالإعسار‏,‏ وأن السيد لا يطؤها ولا يجبرها على النكاح‏,‏ ولا يقيم عليها الحد‏.‏

الثاني‏:‏ ما ألحق فيه بالأرقاء‏,‏ بلا خلاف‏.‏

وفيه فروع‏:‏

منها‏:‏ أنه لا تنعقد به الجمعة‏,‏ ولا تجب عليه في غير نوبته‏,‏ ولا يجب عليه الحج‏,‏ ولا يسقط حجه حجة الإسلام‏.‏

ولا ضمان إن لم يكن مهايأة‏,‏ أو ضمن في نوبة السيد‏.‏

ولا يقطع بسرقة مال سيده‏,‏ ويقطع سارقه‏.‏

ولا ينكح بلا إذن‏,‏ وينكح الأمة ولو كان موسرا‏,‏ نقل الإمام الاتفاق عليه كما ذكره في المهمات‏,‏ ولا ينكح الحر مبعضة ولا من يملك بعضها‏,‏ أو تملك بعضه‏,‏ ولا يثبت لها الخيار تحت عبد ويثبت بعتق كلها تحت مبعض‏.‏

ولا يقتل به الحر ولو كافرا‏.‏

ولا يكون واليا‏,‏ ولا وليا‏,‏ ولا شاهدا‏,‏ ولا خارصا‏,‏ ولا قاسما‏,‏ ولا مترجما‏,‏ ولا وصيا‏,‏ ولا قائفا‏.‏ ولا يحمل العقل‏.‏ ولا يكون محصنا في الزنا‏,‏ ولا في القذف‏.‏ ولا يجزئ في الكفارة‏,‏ ولا يرث‏,‏ ولا يحكم لبعضه ولا يشهد له‏,‏ ولا يجب عليه الجهاد‏,‏ وطلاقه طلقتان‏,‏ وعدتها قرءان‏.‏

 الثالث‏:‏ ما فيه خلاف‏,‏ والأصح أنه كالأحرار‏.‏

وفيه فروع‏:‏

منها‏:‏ وجوب الزكاة فيما ملكه‏,‏ ويورث ويكفر بالطعام والكسوة‏,‏ ويصح التقاطه‏,‏ ويدخل في ملكه إن كان في نوبته‏,‏ وكذا زكاة الفطر‏.‏

ولو اشترى زوجته بالمال المشترك بإذن سيده ملك جزأها‏,‏ وانفسخ النكاح‏,‏ وكذا بغير إذنه في الأظهر أو بخالص ماله فكذلك‏,‏ أو مال السيد فلا‏.‏

ولو أوصى لنصفه الحر خاصة أو الرقيق خاصة‏,‏ ففي الصحة وجهان أصحهما‏:‏ في زوائد الروضة‏:‏ يصح ويكون له خاصة في الأولى‏,‏ ولسيده خاصة في الثانية والثاني‏:‏ لا‏,‏ كما لا يرث‏.‏ ولو أوصى له وبعضه ملك وارث الموصي فإن كان مهايأة ومات في نوبته‏.‏ صحت‏,‏ أو نوبة السيد فوصية لوارث‏,‏ وكذا إن لم يكن مهايأة‏.‏

قال الإمام‏:‏ يحتمل أن تبعض الوصية‏.‏

الرابع‏:‏ ما فيه خلاف‏,‏ والأصح أنه كالأرقاء‏.‏

وفيه فروع‏:‏

منها‏:‏ أنه لا تجب عليه الجمعة في نوبته‏.‏ ولا يقتل به مبعض‏,‏ سواء كان أزيد حرية منه أم لا‏,‏ ونفقته نفقة المعسرين‏,‏ ويحد في الزنا‏,‏ والقذف حد العبد ويمنع من التسري‏,‏ ولا تجب عليه نفقة القريب ولا الجزية‏.‏ وعورتها في الصلاة كالأمة‏,‏ واشتراط النجوم‏,‏ إذا كوتب‏.‏

الخامس‏:‏ ما وزع فيه الحكم وفيه فروع منها‏:‏ زكاة الفطر‏,‏ حيث لا مهايأة على كل منه ومن سيده نصف صاع‏,‏ والكسب النادر كذلك‏.‏

وتجب على قريبه من نفقته بقدر حريته‏.‏

وتحمل عاقلته نصف الدية في قتله الخطإ‏.‏

وفي قتله‏,‏ والجناية عليه‏;‏ وغرته من الدية بقدر الحرية‏,‏ وبقدر الرق من القيمة‏,‏ ويزوج المبعضة السيد مع قريبها‏.‏ فإن لم يكن‏,‏ فمع معتقها‏,‏ فإن لم يكن‏,‏ فمع الحاكم‏.‏ وقيل‏:‏ لا يزوج‏.‏

ويعتكف في نوبته‏,‏ دون نوبة السيد‏.‏

 من غرائب هذا القسم‏.‏ ما ذكره الروياني‏.‏ لو ملك المبعض مالا بحريته‏,‏ فاقترضه منه السيد‏,‏ ورهن عنده نصيبه الرقيق صح‏.‏ قال العلائي‏:‏ وهذه من مسائل المعاياة‏;‏ لأنه يقال فيها‏:‏ مبعض لا يملك مالك النصف عتق نصيبه إلا بإذن المبعض‏;‏ لأن هذا النصف إذا كان مرهونا عنده لم يتمكن السيد من عتقه إذا كان معسرا إلا بإذنه انتهى‏.‏

وبقي فروع لا ترجيح فيها‏.‏

منها‏:‏ ما لا نقل فيه‏.‏

ومنها‏:‏ لو قدر على مبعضه‏,‏ هل ينكح الأمة‏؟‏ فيه تردد للإمام‏;‏ لأن إرقاق بعض الولد أهون من إرقاق كله‏,‏ كذا في أصل الروضة‏,‏ بلا ترجيح‏.‏

ومنها‏:‏ إذا التقط لقيطا في نوبته‏,‏ هل يستحق كفالته‏؟‏ وجهان‏,‏ نقلهما الرافعي عن صاحب المعتمد‏.‏ ومنها‏:‏ لو سرق سيده ما ملك بحريته‏.‏ قال القفال‏:‏ لا يقطع‏.‏

وقال أبو علي‏:‏ يقطع‏.‏

ومنها‏:‏ لو قبل الوصية‏,‏ بلا إذن فهل يصح في حصته‏؟‏ وجهان‏.‏

ومنها‏:‏ القسم للمبعضة‏.‏ هل تعطى حكم الحرائر‏,‏ أو الإماء‏,‏ أو يوزع‏؟‏‏.‏

قال العلائي‏:‏ لا نقل فيه‏.‏ قلت‏:‏ بل صرح الماوردي‏,‏ بأنها كالأمة‏,‏ وجزم به الأذرعي في القوت‏,‏ ثم ذكر التوزيع بحثا‏.‏

ومنها‏:‏ هل له نكاح أربع‏,‏ كالحر‏,‏ أو لا‏,‏ كالعبد‏.‏ أو يوزع‏؟‏‏.‏ قال العلائي‏:‏ الظاهر الثاني‏;‏ لأن النصف الرقيق منه غير منفصل‏,‏ فيؤدي إلى أن ينكح به أكثر من اثنتين‏.‏ قلت‏:‏ ويؤيده مسألتا الطلاق‏,‏ والعدة‏.‏ ثم رأيت الحكم المذكور مصرحا به‏.‏ منقولا عن الماوردي‏.‏ وصاحب الكافي‏,‏ والرونق‏,‏ واللباب‏.‏ وبحث الزركشي فيه التوزيع‏,‏ تخريجا من وجه في الحد‏.‏

ونظيره‏:‏ ما لو سقي الزرع بمطر‏,‏ أو ماء اشتراه‏,‏ سواء‏,‏ فإن فيه ثلاثة أرباع العشر‏.‏

ومنها هل يصح الوقف عليه‏,‏ أو لا‏,‏ كالعبد‏؟‏‏,‏ قال العلائي‏:‏ لا نقل فيه‏.‏

قلت‏:‏ بل هو منقول‏,‏ صرح بصحته ابن خيران في اللطيف‏.‏ قال الزركشي‏:‏ فلو أراد سيده أن يقف عليه نصفه الرقيق‏,‏ فالظاهر الصحة‏,‏ كالوصية‏.‏

ومنها‏:‏ لو اجتمع رقيق ومبعض قال العلائي‏:‏ الظاهر‏:‏ أن المبعض أولى بالإمامة‏.‏ ومنها‏:‏ يغسل الرجل أمته بخلاف المبعضة‏.‏ فيما يظهر‏;‏ لأنها أجنبية‏,‏ قاله العلائي‏.‏ قال‏:‏ وهي أولى من المكاتبة‏.‏ وقد جزموا بأنها لا تغسل السيد‏.‏

ومنها‏:‏ يجوز توكيل مكاتب الراهن في قبض المرهون‏;‏ لأنه أجنبي‏,‏ لا عبده‏,‏ وفي المبعض نظر‏.‏ قال العلائي‏:‏ يحتمل أن يكون كالمكاتب‏.‏

ومنها‏:‏ هل يسهم له من الغنيمة‏,‏ قال العلائي‏:‏ فيه نظر‏.‏

ويقوى ذلك‏:‏ إذا كان في نوبته وقاتل بإذن سيده‏,‏ ويكون ذلك كما لو اكتسب‏.‏ ولا يخرج على الأكساب النادرة‏;‏ لأن إذنه في القتال لا يجعل الغنيمة نادرة‏.‏ وليس له أن يقاتل بلا إذن قطعا‏,‏ ولم يتعرضوا له‏.‏ وإن لم يكن مهايأة بعد الإسهام‏.‏ ومنها‏:‏ هل يرى سيدته‏,‏ إذا قلنا بجوازه للعبد‏.‏

قال العلائي‏:‏ فيه نظر‏.‏ وينبغي أن لا يراها‏.‏ قلت‏:‏ صرح الماوردي بمنعه‏,‏ وقال‏:‏ لا يختلف فيه أصحابنا‏.‏

ومنها‏:‏ هل يرى من نصفها له‏,‏ والباقي حر‏.‏

قال العلائي‏:‏ يحتمل أن يكون فيه الخلاف في الصلاة‏,‏ وقد رجح الماوردي أنها كالحرة‏.‏

ورجح ابن الصباغ‏,‏ وطائفة أنها كالأمة‏.‏

ومنها‏:‏ لو اعتدت عن الوفاة‏,‏ أو بالأشهر‏.‏ قال العلائي‏:‏ لم أر فيه نقلا‏.‏ وقد قالوا‏:‏ إن عدتها قرءان‏,‏ فالظاهر أنها في الأشهر على النصف كالأمة‏.‏ وكذا قال الأذرعي وغيره بحثا‏.‏

تنبيه‏:‏

ويدخل في المهايأة‏:‏ الكسب‏,‏ والمؤن المعتادة قطعا‏.‏

وفي النادر من الأكساب‏:‏ كاللقطة‏,‏ والوصية‏,‏ والمؤن‏,‏ كأجرة الحجام‏,‏ والطبيب قولان‏,‏ أو وجهان‏.‏ أصحهما‏:‏ الدخول‏.‏

ولا يدخل أرش الجناية بالاتفاق‏;‏ لأنها متعلقة بالرقبة‏,‏ وهي مشتركة‏.‏ كذا في الروضة نقلا عن الإمام‏,‏ وهو صريح في أن فرض المسألة في جنايته هو‏,‏ وبه صرح الإمام‏.‏

أما لو جني عليه‏,‏ فالظاهر أيضا‏:‏ أنه كذلك قاله‏.‏

فائدة‏:‏

التبعيض‏,‏ يقع ابتداء في صور‏:‏

الأولى‏:‏ ولد المبعضة من زوج أو زنا‏,‏ سئل عنه القاضي حسين فقال‏:‏ يمكن تخريجه على الوجهين‏:‏ في الجارية المشتركة إذا وطئها الشريك وهو معسر‏,‏ ثم استقر جوابه على أنها كالأم حرية ورقا‏.‏

قال الإمام‏:‏ وهذا هو الوجه‏;‏ لأنه لا سبب لحريته إلا الأم‏,‏ فيقدر بقدرها‏.‏

الثانية‏:‏ الولد من الجارية المشتركة إذا وطئها الشريك المعسر‏.‏ اختلف فيه التصحيح‏.‏

ففي المكاتبة بين اثنين يطؤها أحدهما‏,‏ وهو معسر قال الرافعي‏:‏ وتبعه في الروضة في الولد وجهان‏.‏ أصحهما‏:‏ نصفه حر‏,‏ ونصفه رقيق‏.‏ والثاني‏:‏ كله حر للشبهة‏.‏ وقال في استيلاد أحد الغانمين المحصورين‏,‏ أنه إذا أثبتنا الاستيلاد‏:‏ أنه إذا كان معسرا هل ينعقد الولد حرا أو بقدر حصته‏,‏ والباقي رقيق‏.‏ وجهان‏.‏ وقيل‏:‏ قولان‏.‏

أحدهما‏:‏ كله حر‏;‏ لأن الشبهة تعم الجارية‏.‏ وحرية الولد تثبت بالشبهة‏,‏ وإن لم تثبت الاستيلاد‏.‏ ووجه الثاني‏:‏ أنه تبع للاستيلاد‏,‏ وهو متبعض‏.‏

قالا‏:‏ وهذا الخلاف يجري فيما إذا أولد أحد الشريكين المشتركة‏,‏ وهو معسر‏.‏

فإن قلنا‏:‏ كله حر لزم المستولد قيمة حصة الشركاء في الولد‏,‏ وهذا هو الأصح‏.‏

كذا قاله القاضي أبو الطيب‏,‏ والروياني‏,‏ وغيرهما‏.‏

قال البلقيني‏:‏ والصحيح أنه يتبعض‏.‏

الثالثة‏:‏ إذا استولد الأب الحر جارية مشتركة بين ابنه وبين غيره وهو معسر فيكون نصف الولد حرا‏,‏ ونصفه رقيقا على الأظهر‏.‏

الرابعة‏:‏ العتيق الكافر بين المسلم والذمي‏:‏ إذا نقض العهد‏,‏ والتحق بدار الحرب‏,‏ فسبي‏,‏ فإنه يسترق نصيب الذمي على الأصح‏,‏ ولا يسترق نصيب المسلم‏,‏ على المشهور‏.‏

الخامسة‏:‏ ضرب الإمام الرق على بعض شخص‏,‏ ففي جوازه وجهان أصحهما في الروضة وأصلها‏:‏ الجواز‏.‏

قال البغوي‏:‏ فإن منعناه‏,‏ فإن ضرب الرق على بعضه رق كله‏.‏

وهذه صورة يسري فيها الرق‏,‏ ولا نظير لها‏,‏ وإياها عنيت بقولي‏:‏ 

أيها الفقيه‏,‏ أيدك الله *** ولا زلت في أمان ويسر

هل لنا معتق نصيبا فيلغي *** ولنا صورة بها الرق يسري

السادسة‏:‏ إذا أوصى بنصف حمل الجارية‏,‏ ثم أعتق الوارث الجارية بعد الموت‏,‏ ثم حدث ولد‏,‏ فإن نصفه حر‏,‏ ونصفه رقيق للموصى له‏.‏

وأما التبعيض في عبده الخالص‏:‏ فلا يقع إلا في ثلاث صور‏:‏

الأولى‏:‏ رهن بعض عبده وأقبضه‏,‏ ثم أعتق غير المرهون وهو معسر‏,‏ فإنه يعتق ذلك البعض فقط‏.‏ الثانية‏:‏ جنى عبد بين اثنين‏,‏ ففداه أحدهما‏,‏ ثم اشترى الذي لم يفد ذلك النصف المفدى وأعتقه وهو معسر عتق فقط‏.‏

الثالثة‏:‏ وكل وكيلا في عتق عبده‏,‏ فأعتق الوكيل نصفه‏,‏ فأوجه‏.‏ أصحها في الروضة وأصلها‏:‏ يعتق ذلك النصف فقط‏.‏

والثاني‏:‏ يعتق كله‏,‏ ورجحه البلقيني‏,‏ تنزيلا لعبارة الوكيل منزلة عبارة الموكل‏.‏

والثالث‏:‏ لا يعتق شيء لمخالفة الوكيل‏.‏

القول في أحكام الأنثى تخالف الذكور في أحكام

لا يجزئ في بولها النضح‏,‏ ولا الحجر‏,‏ إن كانت بنتا‏.‏

والسنة في عانتها‏:‏ النتف‏.‏ ولا يجب ختانها في وجه‏.‏ ويجب عليها غسل باطن لحيتها‏.‏ ويسن حلقها‏.‏ وتمنع من حلق رأسها‏.‏ ولبنها طاهر على الصحيح‏.‏ وفي لبن الرجل كلام‏,‏ سنذكره‏.‏

ومنيها نجس في وجه‏:‏ وتزيد في أسباب البلوغ‏:‏ بالحيض‏,‏ والحمل‏.‏

ولا تؤذن مطلقا‏,‏ ولا تقيم للرجال‏.‏

وعورتها تخالف عورة الرجل‏,‏ وصوتها عورة في وجه‏,‏ ويكره لها الحمام‏.‏ وقيل يحرم‏.‏

ولا تجهر بالصلاة في حضرة الأجانب‏.‏ وفي وجه مطلقا‏,‏ وتضم بعضها إلى بعض في الركوع والسجود‏,‏ وإذا نابها شيء في صلاتها صفقت‏.‏ والرجل يسبح‏,‏ ولا تجب عليها الجماعة‏.‏

ويكره حضورها للشابة ولا يجوز إلا بإذن الزوج‏,‏ وهي في بيتها أفضل من المسجد‏.‏ 

ولا يجوز اقتداء الرجل‏,‏ والخنثى بها‏.‏ وتقف إذا أمت النساء وسطهن‏.‏

ولها لبس الحرير‏,‏ وكذا افتراشه في الأصح‏,‏ وحلي الذهب والفضة‏.‏

ولا جمعة عليها‏.‏ ولا تنعقد بها‏.‏

ولا ترفع صوتها بتكبير العيد‏,‏ ولا تلبية الحج‏,‏ ولا تخطب بحال‏.‏

والأفضل‏:‏ تكفينها في خمسة أثواب‏,‏ وللرجال ثلاثة‏.‏ ويقف المصلي عليها عند عجزها وفي الرجل عند رأسه‏.‏ ويندب لها‏,‏ نحو القبة في التابوت‏.‏

ولا يسقط بها فرض الجنازة مع وجود الرجال في الأصح‏.‏

ولا تحمل الجنازة‏,‏ وإن كان الميت أنثى‏.‏

ولا تأخذ من سهم العاملين‏,‏ ولا سبيل الله‏,‏ ولا المؤلفة في وجه‏.‏

ولا تقبل في الشهادات‏:‏ إلا في الأموال وما لا يطلع عليه الرجال‏.‏ ولا كفارة عليها بالجماع في رمضان‏.‏

ويصح اعتكافها في مسجد بيتها في القديم‏.‏ ويكره لها الاعتكاف‏,‏ حيث كرهت الجماعة‏.‏

ولا تسافر إلا مع زوج‏,‏ أو محرم‏,‏ فيشترط لها ذلك في وجوب الحج عليها‏.‏ ويشترط لها أيضا‏:‏ المحمل‏,‏ لأنه أستر‏.‏ ويندب لها عند الإحرام‏:‏ خضب يديها‏,‏ ووجهها‏.‏

ويباح لها‏:‏ الخضب بالحناء مطلقا‏,‏ ولا يجوز للرجل إلا لضرورة‏,‏ ولا يحرم عليها في الإحرام المخيط‏,‏ وستر الرأس‏,‏ بل الوجه والقفازان‏.‏ ولا تقبل الحجر‏,‏ ولا تستلمه ولا تقرب من البيت‏:‏ إلا عند خلو المطاف من الأجانب‏.‏ ولا ترمل في الطواف‏,‏ ولا تضطبع‏,‏ ولا ترقى على الصفا والمروة‏,‏ ولا تعدو بين الميلين‏.‏ ولا تطوف‏,‏ ولا تسعى إلا بالليل وتقف في حاشية الموقف والرجل عند الصخرات وقاعدة‏,‏ والرجل راكب‏.‏ ولا تؤمر بالحلق‏.‏ ولا ترفع يدها عند الرمي‏.‏

والتضحية بالذكر أفضل منها في المشهور‏.‏

ويعق عنها بشاة‏,‏ وعن الذكر بشاتين‏,‏ والذكر في الذبح أولى منها‏.‏

ويجوز بيع لبنها سواء كانت أمة أم حرة‏,‏ على الأصح‏.‏ بخلاف لبن الرجل‏.‏

ولا يجوز قرضها‏.‏ والتقاطها للتملك لغير المحرم في الأصح‏,‏ بخلاف العبد‏.‏

ولا تكون وليا في النكاح‏,‏ ولا وكيلا في إيجابه‏,‏ ولا قبوله‏.‏ ولا في الطلاق في وجه‏.‏

والغناء منها غير متقوم‏,‏ ومن العبد متقوم‏.‏

ولا تصح معها المسابقة‏;‏ لأنها ليست من أهل الحرب‏.‏

ولا يقبل قولها في استلحاق الولد إلا ببينة في الأصح‏,‏ بخلاف الرجل‏.‏ 

وهي على النصف من الرجل‏.‏ في الإرث‏,‏ والشهادة‏,‏ والغرم عند الرجوع‏,‏ والدية نفسا‏,‏ وجرحا‏.‏ وفي هبة الوالد في وجه‏.‏ وفي النفقة على القريب في أحد الوجهين‏.‏

ولا تلي القضاء‏,‏ ولا الوصاية في وجه‏.‏

وتجبر الأمة على النكاح‏,‏ بخلاف العبد في الأظهر‏.‏ ولا تجبر سيدها على تزويجها قطعا إذا كانت تحل له ويجبر على تزويج العبد في قول‏,‏ ويحرم عليها ولدها من زنا‏,‏ بخلاف الرجل‏.‏

ويحل لها نكاح الرقيق مطلقا‏.‏

وبضعها يقابل بالمهر‏,‏ دون الرجل‏.‏

ويحرم لبنها‏,‏ دون لبن الرجل على الصحيح‏.‏

وتقدم على الرجال في الحضانة‏,‏ والنفقة‏,‏ والدعوى‏;‏ والنفر من مزدلفة إلى منى‏,‏ والانصراف من الصلاة‏.‏

وتؤخر في الفطرة والموقف في الجماعة‏,‏ وفي اجتماع الجنائز عند الإمام‏.‏ وفي اللحد‏.‏

وتقطع حلمة الرجل بحلمتها لا عكسه‏,‏ وفي حلمتها الدية‏.‏ وفي حلمته الحكومة على الأصح‏.‏

وفي استرسال نهدها‏:‏ الحكومة‏,‏ بخلاف الرجل‏.‏

ولا تباشر استيفاء القصاص‏.‏

ولا تدخل في القرعة‏,‏ على الأصح في الشرح والروضة‏.‏

ولا تحمل الدية‏,‏ ولا ترمي لو نظرت في الدار‏,‏ في وجه‏.‏

ولا جهاد عليها‏,‏ ولا جزية‏.‏ ولا تقتل في الحرب‏,‏ ما لم تقاتل‏.‏

وفي جواز عقد الأمان لها استقلالا من غير إدخال رجل في العقد‏.‏ فيه وجهان‏.‏

في الشرح‏,‏ بلا ترجيح‏,‏ ولا يسهم لها‏,‏ ولا تستحق السلب‏,‏ في وجه‏.‏

ولا تقيم الحد على رقيقها‏,‏ في وجه‏.‏

ويحفر لها في الرجم إن ثبت زناها ببينة‏,‏ بخلاف الرجل‏,‏ وتجلد جالسة‏,‏ والرجل قائما‏.‏

ولا تكلف الحضور للدعوى إذا كانت مخدرة‏,‏ ولا إذا توجه عليها اليمين‏,‏ بل يحضر إليها القاضي فيحلفها‏,‏ أو يبعث إليها نائبة‏.‏

تنبيه‏:‏

في مواضع مهمة‏,‏ تقدمت الإشارة إليها‏.‏

منها‏:‏ تقدم أن لبنها طاهر‏.‏

وأما لبن الرجل‏:‏ فلم يتعرض له الشيخان‏.‏ وصرح الصيمري في شرح الكفاية بطهارته‏.‏ وصححه البلقيني‏.‏ وصرح ابن الصباغ بأنه نجس‏.‏

 ومنها‏:‏ المرأة في العورة‏.‏ لها أحوال‏:‏

حالة مع الزوج‏,‏ ولا عورة بينهما‏,‏ وفي الفرج وجه‏.‏

وحالة مع الأجانب‏,‏ وعورتها‏:‏ كل البدن‏,‏ حتى الوجه والكفين في الأصح‏.‏

وحالة مع المحارم والنساء‏,‏ وعورتها‏:‏ ما بين السرة والركبة‏.‏

وحالة في الصلاة‏,‏ وعورتها‏:‏ كل البدن‏,‏ إلا الوجه والكفين‏.‏ وصرح الإمام في النهاية‏:‏ بأن الذي يجب ستره منها في الخلوة‏:‏ هي العورة الصغرى‏,‏ وهو المستور من عورة الرجل‏.‏

ومنها‏:‏ المجزوم به‏,‏ وهو الوارد في الحديث‏:‏ ‏"‏إن المرأة إذا نابها شيء في صلاتها تصفق‏.‏ ولا تسبح‏"‏‏.‏ قال الأسنوي‏:‏ وقد صححوا أنها تجهر في الصلاة بحضرة زوج‏,‏ أو محرم‏,‏ أو نسوة أو وحدها‏:‏ وقياس ذلك‏:‏ أن تسبح في هذه الأحوال‏.‏ كالرجل‏.‏ ويحمل الحديث على غير ذلك‏,‏ لأن التسبيح في الصلاة أليق من الفعل‏,‏ خصوصا التصفيق‏.‏

ومنها‏:‏ هل يحرم على الأجانب تعزية الشابة‏؟‏ لا تصريح بذلك في كتب الرافعي‏,‏ والنووي‏,‏ وابن الرفعة‏.‏

وذكر أبو الفتوح في أحكام الخناثى‏:‏ أن المحارم يعزونها‏,‏ وغير المحارم يعزون العجوز دون الشابة‏.‏ قال الأسنوي‏:‏ ومقتضاه التحريم‏.‏

ومنها‏:‏ هل يجوز أن تكون المرأة نبية‏؟‏ اختلف في ذلك‏.‏

وممن قيل بنبوتها‏:‏ مريم‏.‏ قال السبكي في الحلبيات‏:‏ ويشهد لنبوتها ذكرها في سورة مريم‏,‏ مع الأنبياء‏.‏ وهو قرينة‏.‏ قال‏:‏ وقد اختلف في نبوة نسوة غير مريم‏,‏ كأم موسى‏,‏ وآسية‏,‏ وحواء‏,‏ وسارة ولم يصح عندنا في ذلك شيء انتهى‏.‏

القول في أحكام الخنثى

قال الأصحاب‏:‏ الأصل في الخنثى بما روى الكلبي عن أبي صالح عن ابن عباس عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال في مولود له ما للرجال‏,‏ وما للنساء‏:‏ ‏"‏يورث من حيث يبول‏"‏ أخرجه البيهقي وهو ضعيف جدا‏.‏

ولكن روي ذلك عن علي رضي الله عنه وغيره‏.‏

وقال سعيد بن منصور في سننه‏:‏ حدثنا هشيم عن مغيرة عن الشعبي عن علي أنه قال‏:‏ الحمد لله الذي جعل عدونا يسألنا عما نزل به من أمر دينه‏:‏ إن معاوية كتب إلي يسألني عن الخنثى فكتبت إليه‏:‏ أن يورثه من قبل مباله‏.‏ قال النووي‏:‏ الخنثى ضربان‏:‏ ضرب له فرج المرأة‏,‏ وذكر الرجال‏.‏ وضرب ليس له واحد منهما‏.‏ بل له ثقبة يخرج منها الخارج‏,‏ ولا تشبه فرج واحد منهما‏.‏

فالأول‏:‏ يتبين أمره بأمور‏:‏

أحدها‏:‏ البول‏,‏ فإن بال بذكر الرجال وحده‏:‏ فرجل‏,‏ أو بفرج النساء‏:‏ فامرأة أو بهما اعتبر بالسابق‏,‏ إن انقطعا معا‏.‏ وبالمتأخر إن ابتدآ معا‏,‏ فإن سبق واحد‏,‏ وتأخر آخر‏:‏ اعتبر بالسابق‏,‏ فإن اتفقا فيهما فلا دلالة في الأصح‏,‏ ولا ينظر إلى كثرة البول من أحدهما‏,‏ ولا إلى التزريق بهما‏,‏ أو الترشيش‏.‏ الثاني‏,‏ والثالث‏:‏ خروج المني والحيض في وقت الإمكان‏.‏ فإن أمنى بالذكر‏,‏ فرجل أو الفرج أو حاض فامرأة‏.‏

بشرط أن يتكرر خروجه ليتأكد الظن به‏,‏ ولا يتوهم كونه اتفاقيا‏.‏ كذا جزم به الشيخان‏.‏

قال الأسنوي‏:‏ وسكوتهما عن ذلك في البول يقتضي عدم اشتراطه فيه‏.‏ والمتجه‏:‏ استواء الجميع في ذلك‏.‏ قال‏:‏ وأما العدد المعتبر في التكرار‏.‏ فالمتجه‏:‏ إلحاقه بما قيل في كلب الصيد‏:‏ بأن يصير عادة له‏.‏ فإن أمنى بهما‏,‏ فالأصح أنه يستدل به‏.‏ فإن أمنى نصفه مني الرجال فرجل‏,‏ أو نصفه مني النساء‏,‏ فامرأة‏.‏

فإن أمنى من فرج الرجال نصفه منيهم‏.‏ ومن فرج النساء نصفه منيهن‏,‏ أو من فرج النساء نصفه مني الرجال‏,‏ أو عكسه‏,‏ فلا دلالة‏.‏ وكذا إذا تعارض بول وحيض‏,‏ أو مني‏.‏ بأن بال بفرج الرجال‏,‏ وحاض أو أمنى بفرج النساء‏.‏ وكذا إذا تعارض المني والحيض في الأصح‏.‏

الرابع‏:‏ الولادة‏.‏ وهي تفيد القطع بأنوثته‏,‏ وتقدم على جميع العلامات المعارضة لها‏.‏

قال في شرح المهذب‏:‏ ولو ألقى مضغة‏.‏ وقال القوابل‏:‏ إنه مبدأ خلق آدمي‏:‏ حكم به‏.‏ وإن شككن دام الإشكال‏.‏

قال‏:‏ ولو انتفخ بطنه‏,‏ وظهرت أمارة حمل‏:‏ لم يحكم بأنه امرأة‏,‏ حتى يتحقق الحمل‏.‏

قال الأسنوي‏:‏ والصواب الاكتفاء بظهور الأمارة فقد جزم به الرافعي في آخر الكلام على الخنثى‏.‏ وتبعه عليه في الروضة‏.‏ كذا في شرح المهذب في موضع آخر وهو الموافق‏,‏ الجاري على القواعد المذكورة في الرد بالعيب‏,‏ وتحريم الطلاق‏,‏ واستحقاق المطلقة النفقة‏,‏ وغير ذلك‏.‏

الخامس‏:‏ عدم الحيض في وقته علامة على الذكورة‏,‏ يستدل بها عند التساوي في البول‏:‏ نقله الأسنوي عن الماوردي‏.‏ قال‏:‏ وهي مسألة حسنة‏,‏ قل من تعرض لها‏.‏

السادس‏:‏ إحباله لغيره‏,‏ نقله الأسنوي عن العدة‏,‏ لأبي عبد الله الطبري‏,‏ وابن أبي الفتوح وابن المسلم‏.‏ قال‏:‏ ولو عارضه حبله قدم على إحباله‏,‏ حتى لو وطئ كل من المشكلين صاحبه فأحبله‏,‏ حكمنا بأنهما أنثيان‏,‏ ونفينا نسب كل منهما عن الآخر‏.‏

السابع‏:‏ الميل ويستدل به عند العجز‏,‏ عن الأمارات‏,‏ السابقة‏,‏ فإنها مقدمة عليه‏,‏ فإن مال إلى الرجل فامرأة‏,‏ أو إلى النساء فرجل‏.‏ فإن قال‏:‏ أميل إليهما ميلا واحدا‏,‏ ولا أميل إلى واحد منهما‏,‏ فمشكل‏.‏

الثامن‏:‏ ظهور الشجاعة‏,‏ والفروسية‏,‏ ومصابرة العدو‏,‏ كما ذكره الأسنوي تبعا لابن المسلم‏.‏

التاسع إلى الثاني عشر‏:‏ نبات اللحية‏,‏ ونهود الثدي‏,‏ ونزول اللبن‏,‏ وتفاوت الأضلاع في وجه‏.‏ والأصح أنها لا دلالة لها‏.‏

وأما الضرب الثاني‏:‏

ففي شرح المهذب عن البغوي‏:‏ أنه لا يتبين إلا بالميل‏.‏ قال الأسنوي‏:‏ ويتبين أيضا بالمني المتصف بأحد النوعين‏,‏ فإنه لا مانع منه‏.‏ قال‏:‏ وأما الحيض‏,‏ فيتجه اعتباره أيضا‏.‏ ويحتمل خلافه‏;‏ لأن الدم لا يستلزم أن يكون حيضا‏,‏ وإن كان بصفة الحيض‏,‏ لجواز أن يكون دم فساد بخلاف المني‏.‏

وأما أحكام الخنثى الذي لم يبن فأقسام‏.‏

والضابط أنه يؤخذ في حقه بالاحتياط‏,‏ وطرح الشك‏.‏

القسم الأول‏:‏

ما هو فيه كالأنثى‏.‏

ذلك في نتف العانة‏,‏ ودخول الحمام‏,‏ وحلق الرأس‏;‏ ونضح البول‏,‏ والأذان والإقامة‏,‏ والعورة‏,‏ والجهر في الصلاة‏,‏ والتصفيق فيما إذا نابه شيء‏,‏ والجماعة‏,‏ والاقتداء والجمعة‏,‏ ورفع الصوت بالتكبير والتلبية‏,‏ والتكفين‏,‏ ووقوف المصلي عند عجزها‏.‏ 

وعدم سقوط فرض الجنازة بها‏,‏ وكونها لا تأخذ من سهم العاملين ولا سبيل الله‏,‏ ولا المؤلفة‏.‏ وشرط وجوب الحج‏,‏ ولبس المخيط‏,‏ والقرب من البيت‏,‏ والرمل‏,‏ والاضطباع والرقي‏,‏ والعدو‏,‏ والوقوف والتقديم من مزدلفة‏,‏ والعقيقة‏,‏ والذبح‏,‏ والتوكيل في النكاح وغيره‏,‏ والقضاء‏,‏ والشهادة‏,‏ والدية‏,‏ وعدم تحمل العقل‏.‏ وفي الجهاد‏,‏ والسلب والرضخ‏,‏ والجزية‏.‏ والسفر بلا محرم‏.‏ ولا يحل وطؤه‏.‏

القسم الثاني‏:‏

ما هو فيه كالذكر‏.‏

وذلك في لبس الحرير‏,‏ وحلي الذهب‏,‏ والوقوف أمام النساء إذا أمهن‏,‏ لا أوسطهن لاحتمال كونه رجلا‏,‏ فيؤدي وقوفه وسطهن إلى مساواة الرجل للمرأة‏,‏ وفي الزكاة‏,‏ وليس وطؤه في زمن الخيار فسخا‏,‏ ولا إجازة‏.‏ ويقبل قوله في استلحاق الولد‏,‏ كما صححه أبو الفتوح‏,‏ ونقله الأسنوي احتياطا للنسب‏,‏ ولا يحرم رضاعه‏,‏ ولا دية في حلمته‏,‏ ولا حكومة في إرسال ثديه‏,‏ أو جفاف لبنه‏.‏

القسم الثالث‏:‏

ما وزع فيه الحكم‏.‏

وفي ذلك فروع‏:‏

الأول‏:‏ لحيته‏,‏ لا يستحب حلقها‏.‏ لاحتمال أن تتبين ذكورته‏,‏ فيتشوه‏.‏ ويجب في الوضوء غسل باطنها لاحتمال كونه امرأة‏,‏ كما جزم به الشيخان وغيرهما‏.‏

وذكر صاحب التعجيز في شرحه‏:‏ أنه كالرجل‏;‏ لأن الأصل‏:‏ عدم الوجوب‏.‏

الثاني‏:‏‏:‏ لا ينتقض وضوءه لا بالخروج من فرجيه‏,‏ أو مسهما‏,‏ أو لمسه رجلا وامرأة ولا غسله إلا بالإنزال منهما‏,‏ أو بإيلاجه‏,‏ والإيلاج فيه‏.‏

قال البغوي‏:‏ وكل موضع لا يجب فيه الغسل على الخنثى المولج‏.‏ لا يبطل صومه‏,‏ ولا حجه‏,‏ ولا يجب على المرأة التي أولج فيها عدة‏,‏ ولا مهر لها‏.‏

وأما الحد‏:‏ فلا يجب على المولج فيه‏,‏ ولا المولج‏.‏ ويجب على الخنثى الجلد والتغريب ولو أولج فيه رجل‏,‏ وأولج الخنثى في دبره‏,‏ فعلى الخنثى الجلد‏.‏ وكذا الرجل إن لم يكن محصنا‏,‏ فإن كان محصنا‏,‏ فإن حده بتقدير أنوثة الخنثى‏:‏ الرجم‏,‏ وبتقدير ذكورته‏:‏ الجلد‏.‏

والقاعدة‏:‏ أن التردد بين جنسين من العقوبة‏,‏ إذا لم يشتركا في الفعل‏,‏ يقتضي إسقاطهما بالكلية‏,‏ والانتقال إلى التعزير‏;‏ لأنه لا يمكن الجمع بينهما‏,‏ وليس أحدهما بأولى من الآخر كذا ذكره ابن المسلم في أحكام الخناثى‏.‏ وقال الأسنوي‏:‏ إنه حسن متجه‏,‏ وحينئذ فيجب على الرجل التعزير‏.‏

وهذه من غرائب المسائل‏:‏ شخص أتى ما يوجب الحد‏.‏ فإن كان محصنا عزر‏,‏ وإن كان غير محصن‏:‏ جلد‏,‏ وعزر‏.‏ وإياها عنيت بقولي ملغزا‏:‏ 

قل للفقيه‏,‏ إذا لقيت *** محاجيا ومغربا

فرع بدا في حكمه *** لأولي النهى مستغربا

شخص أتى ما حده *** قطعا غدا مستوجبا

إن تلفه بكر اجلد *** ت مائة تتم وغربا

وإذا تراه محصنا *** عزرته مترقبا

قد أصبح النحرير *** مما قلته متعجبا

فأبنه دمت موضحا *** للمشكلات مهذبا‏.‏

الثالث‏:‏ إذا حاض من الفرج‏;‏ حكم بأنوثته وبلوغه‏,‏ ولا يحرم عليه محرمات الحيض لجواز كونه رجلا والخارج دم فاسد‏.‏

الرابع‏:‏ يجب عليه ستر كل بدنه‏;‏ لاحتمال كونه امرأة‏;‏ فلو اقتصر على ستر عورة الرجل وصلى‏.‏ فوجهان‏:‏ أصحهما في التحقيق‏:‏ الصحة‏,‏ للشك في وجوبه‏.‏

قال الأسنوي‏:‏ والفتوى عليه‏,‏ فإنه الذي يقتضيه كلام الأكثرين‏.‏

وصحح في شرح المهذب وزوائد الروضة‏:‏ البطلان‏;‏ لأن الستر شرط وقد شككنا في حصوله‏.‏ الخامس‏:‏ لا تجب عليه الفدية في الحج إلا لستر رأسه ووجهه معا‏,‏ والأحوط له‏.‏ أن يستر رأسه دون وجهه وبدنه بغير المخيط كما قال القفال ونقله الأسنوي‏.‏

السادس‏:‏ الإرث‏.‏ يعامل في حقه كالمرأة‏,‏ وفي حق سائر الورثة كالرجل‏,‏ ويوقف القدر الفاضل للبيان فإن مات‏,‏ فلا بد من الاصطلاح على المذهب‏.‏

القسم الرابع‏:‏

ما خالف فيه النوعين‏.‏

فيه فروع‏:‏

منها‏:‏ ختانه والأصح تحريمه‏;‏ لأن الجرح لا يجوز بالشك‏.‏

ومنها‏:‏ لا يجوز له الاستنجاء بالحجر‏,‏ لا في ذكره‏,‏ ولا في فرجه‏,‏ لالتباس الأصلي بالزائد‏.‏

والحجر‏:‏ لا يجزئ‏,‏ إلا في الأصلي‏.‏

ومنها‏:‏ إذا مات لا يغسله الرجال‏,‏ ولا النساء الأجانب كما اقتضاه كلام الرافعي‏.‏ وصحح في شرح المهذب‏:‏ أنه يغسله كل منهما‏.‏

ومنها‏:‏ أنه في النظر والخلوة مع الرجال كامرأة ومع النساء كرجل‏.‏ 

ومنها‏:‏ أنه لا يباح له من الفضة كما يباح للنساء‏,‏ ولا يباح للرجال‏.‏

ومنها‏:‏ لا يصح السلم فيه لندوره‏.‏ ولا يصح قبضه عن السلم في جارية‏,‏ أو عبد‏;‏ لاحتمال كونه عكس ما أسلم فيه‏.‏

ومنها‏:‏ لا يصح نكاحه‏.‏

القسم الخامس‏:‏

ما وسط فيه الذكر والأنثى‏.‏

وفي ذلك فروع‏:‏

منها‏:‏ أوصى بثوب لأولى الناس به‏,‏ قدمت المرأة‏,‏ ثم الخنثى‏,‏ ثم الرجل‏.‏

ومنها‏:‏ يقف خلف الإمام‏.‏ الذكور‏,‏ ثم الخناثى‏,‏ ثم النساء‏.‏

ومنها‏:‏ ينصرف بعد الصلاة‏:‏ النساء‏,‏ ثم الخناثى ثم الرجال‏.‏

ومنها‏:‏ يقدم في الجنائز‏:‏ إلى الأمام وإلى اللحد الذكور ثم الخناثى ثم النساء‏.‏

 ومنها‏:‏ الأولى بحمل الجنازة الرجال‏,‏ ثم الخناثى ثم النساء‏.‏

ومنها‏:‏ التضحية بالذكر أفضل‏,‏ ثم الخنثى ثم الأنثى‏.‏

ومنها‏:‏ الأولى في الذبح‏:‏ الرجل‏,‏ ثم الخنثى ثم الأنثى‏.‏

فرع‏:‏

إذا فعل شيئا في حال إشكاله‏,‏ ثم بان ما يقتضي ترتب الحكم عليه‏.‏ هل يعتد به‏؟‏ فيه نظائر‏:‏

الأول‏:‏ إذا اقتدى بخنثى‏:‏ فبان رجلا‏,‏ ففي الإجزاء‏:‏ قولان‏.‏ أظهرهما‏:‏ عدم الإجزاء‏.‏

الثاني‏:‏ إذا عقد النكاح بخنثيين‏,‏ فبانا ذكرين‏,‏ ففي صحته وجهان‏,‏ بناء على مسألة الاقتداء‏.‏

قال النووي‏:‏ لكن الأصح هنا‏:‏ الصحة‏;‏ لأن عدم جزم النية يؤثر في الصلاة‏.‏

الثالث‏:‏ لو تزوج رجل بخنثى‏,‏ ثم بان امرأة‏,‏ أو عكسه‏.‏ جزم الروياني في البحر‏:‏ بأنه لا يصح‏.‏ واقتضى كلام ابن الرفعة الاتفاق عليه‏,‏ وأنهم لم يجروا فيه خلاف الاقتداء‏.‏

ثم فرق بين النكاح‏,‏ والصلاة‏.‏ بأن احتياط الشرع في النكاح أكثر من احتياطه في الصلاة‏,‏ لأن أمر النكاح غير قاصر على الزوجين‏,‏ وأمر الصلاة قاصر على المصلي‏.‏

ولهذا لا يجوز الإقدام على النكاح بالاجتهاد‏,‏ عند اشتباه من تحل بمن لا تحل‏,‏ ويجوز ذلك فيما يتعلق بالصلاة‏:‏ من طهارة‏,‏ وسترة‏,‏ واستقبال‏.‏

قال الأسنوي‏:‏ الصواب إلحاقه إذا كان شاهدا‏,‏ لاستواء الجميع في الركنية‏,‏ وقد صرح به ابن المسلم‏.‏ قال‏:‏ ويؤيد الصحة ما في البحر‏:‏ أنه لو تزوج امرأة‏,‏ وهما يعتقدان بينهما أخوة من الرضاع ثم تبين خلاف ذلك‏,‏ صح النكاح على الصحيح‏.‏

الرابع‏:‏ إذا توضأ‏,‏ أو اغتسل حيث لم يحكم باستعمال الماء فلو بان فهل يتبين الحكم باستعماله‏؟‏ ينبني على طهارة الاحتياط هل ترفع الحدث الواقع في نفس الأمر‏,‏ أم لا‏؟‏ والأصح‏:‏ لا‏,‏ فلا يحكم عليه بالاستعمال‏.‏

ذكره الأسنوي تخريجا‏.‏

الخامس‏:‏ لو صلى الظهر ثم بان رجلا وأمكنه إدراك‏.‏ الجمعة‏,‏ لزمه السعي إليها فإن لم يفعل لزمه إعادة الظهر‏,‏ بناء على أن من صلى الظهر قبل فواتها لم يصح‏,‏ قاله في شرح المهذب‏.‏

السادس‏:‏ لو خطب في الجمعة أو كان أحد الأربعين ثم بان رجلا‏,‏ لم يجز في أصح الوجهين‏.‏

السابع‏:‏ لو صلى على الجنازة مع وجود الرجل‏,‏ ثم بان رجلا لم يسقط الفرض على أصح الوجهين‏.‏ وهما مبنيان على مسألة الاقتداء‏.‏

قال الأسنوي‏:‏ ووجهه أن نية الفرضية واجبة وهو متردد فيها‏.‏

الثامن‏:‏ إذا قلنا بجواز بيع لبن المرأة دون الرجل‏,‏ فبيع لبن الخنثى ثم بان امرأة ففيه القولان‏,‏ فيمن باع مال مورثه ظانا حياته فبان ميتا‏.‏

التاسع‏:‏ أسلم في عبد أو جارية‏,‏ فسلمه خنثى لم يصح‏.‏

فلو قبضه فبان بالصفة التي أسلم فيها فوجهان‏:‏ كالمسألة التي قبلها ذكره ابن المسلم ويجريان أيضا‏:‏ فيما لو نذر أن يهدي ناقة أو جملا‏,‏ فأهدى خنثى وبان أو أن يعتق عبدا أو أمة‏,‏ فأعتق خنثى وبان‏.‏

قاله ابن المسلم أيضا‏.‏

العاشر‏:‏ وكل خنثى في إيجاب النكاح أو قبوله فبان رجلا‏,‏ ففي صحة ذلك وجهان كالمسألة قبلها‏,‏ قاله ابن المسلم‏.‏

الحادي عشر‏:‏ رضع منه طفل ثم بان أنثى‏,‏ ثبت التحريم جزما‏.‏

الثاني عشر‏:‏ وجبت الدية على العاقلة‏,‏ لم يحمل الخنثى فإن بان ذكرا فهل يغرم حصته التي أداها غيره‏؟‏ قال الرافعي‏,‏ فيه وجهان في التهذيب‏.‏

وصحح في الروضة من زوائده‏:‏ الغرم بحثا ونقله الأسنوي عن أبي الفتوح وصاحب البيان‏.‏ 

الثالث عشر‏:‏ لا جزية على الخنثى‏,‏ فلو بان ذكرا فهل يؤخذ منه جزية السنين الماضية‏؟‏ وجهان في الشرح‏.‏ قال في الروضة‏:‏ ينبغي أن يكون الأصح الأخذ‏.‏

وقال الأسنوي‏:‏ بل ينبغي تصحيح العكس‏,‏ فإن الرافعي ذكر أنه إذا دخل حربي دارنا وبقي مدة ثم اطلعنا عليه‏,‏ لا نأخذ منه شيئا لما مضى على الصحيح‏;‏ لأن عماد الجزية القبول‏,‏ وهذا حربي لم يلتزم شيئا وهذا موجود هنا‏,‏ بل أولى لأنا لم نتحقق الأهلية في الخنثى‏.‏

وقال ابن المسلم‏:‏ إن كان الخنثى حربيا ودخل بأمان‏,‏ ثم تبين أنه رجل فلا جزية لعدم العقد وإن كان ولد ذمي فإن قلنا إن من بلغ من ذكورهم يحتاج إلى عقد جديد فلا شيء عليه وإلا وجبت‏.‏

قال الأسنوي‏:‏ والذي قاله مدرك حسن‏.‏

الرابع عشر‏:‏ لو ولي القضاء ثم بان رجلا‏,‏ لم ينفذ حكمه الواقع في حال الإشكال على المذهب وقيل فيه وجهان وهل يحتاج إلى تولية جديدة‏.‏ قال الأسنوي‏:‏ القياس نعم‏,‏ فقد جزم الرافعي بأن الإمام لو ولى القضاء من لا يعرف حاله لم تصح ولايته وإن بان أهلا‏.‏

الخامس عشر‏:‏ لو لم يحكم بانتقاض طهره بلمس أو إيلاج أو غيرهما‏,‏ فصلى ثم بان خلافه‏,‏ ففي وجوب القضاء طريقان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه على القولين فيمن تيقن الخطأ في القبلة‏,‏ والأصح القطع بالإعادة كما لو بان محدثا‏.‏ والفرق‏:‏ أن أمر القبلة مبني على التخفيف بدليل تركها في نافلة السفر بخلاف الطهارة‏.‏

فرع‏:‏

لا يجوز اقتداء الخنثى بمثله لاحتمال كون الإمام امرأة والمأموم رجلا‏.‏

ونظيره‏:‏ لو اجتمع أربعون من الخناثى في قرية لم تصح إقامتهم الجمعة ذكره أبو الفتوح ولو كان له أربعون من الغنم خناثى‏,‏ قال الأسنوي‏:‏ فالمتجه أنه لا يجزيه واحد منها لجواز أن يكون المخرج ذكرا والباقي إناث‏,‏ بل يشتري أنثى بقيمة واحد منها‏.‏ قال‏:‏ ويحتمل أن يجزي لأنه على صفة المال‏,‏ فلا يكلف المالك سواه‏.‏

فرع‏:‏

الخنثى‏:‏ إما ذكر أو أنثى‏,‏ هذا هو الصحيح المعروف‏.‏ وقيل‏:‏ إنه نوع ثالث‏.‏

 وتفرع على ذلك فروع‏:‏

منها‏:‏ إذا قال‏:‏ إن أعطيتني غلاما أو جارية فأنت طالق طلقت بالخنثى على الصحيح ولا تطلق على الآخر‏.‏

ومنها‏:‏ لو حلف لا يكلم ذكرا ولا أنثى‏,‏ فكلم الخنثى حنث على الصحيح ولا يحنث على الآخر‏.‏ ومنها‏:‏ وقف على الأولاد‏,‏ دخل الخنثى أو البنين أو البنات لم يدخل ولكن يوقف نصيبه كالإرث‏,‏ أو البنين والبنات دخل على الصحيح لأنه إما ذكر أو أنثى‏,‏ وقيل لا لأنه لا يعدو واحدا منهما‏.‏

فرع‏:‏

في أحكام الخنثى الواضح‏.‏

منها‏:‏ أن فرجه الزائد له حكم المنفتح تحت المعدة مع انفتاح الأصلي‏.‏

ومنها‏:‏ أنه لا يجوز له قطع ذكره وأنثييه لأن الجرح لا يجوز بالشك ذكره أبو الفتوح‏.‏

قال‏:‏ ولا يتجه تخريجه على قطع السلعة‏,‏ نقله الأسنوي‏.‏

ومنها‏:‏ لو اشترى رقيقا فوجده خنثى واضحا ثبت الخيار في الأصح كما لو بان مشكلا وكذا لو بان أحد الزوجين في قول‏.‏

ولو اشتراه عالما به فوجده يبول بفرجيه معا ثبت الخيار أيضا‏;‏ لأن ذلك لاسترخاء المثانة‏.‏

فائدة

حيث أطلق الخنثى في الفقه‏,‏ فالمراد به المشكل‏.‏

القول في أحكام المتحيرة

إنما يطلق هذا الاسم على ناسية عادتها في الحيض قدرا ووقتا‏,‏ وتسمى أيضا محيرة بكسر الياء لأنها حيرت الفقيه في أمرها‏.‏

وقد ألف الدارمي في أحكامها مجلدة واختصرها النووي‏.‏ فالأصح وبه قطع الجمهور أنها تؤمر بالاحتياط‏.‏

وبيان ذلك بفروع‏:‏

الأول‏:‏ يحرم على زوجها وسيدها وطؤها بكل حال لاحتمال الحيض‏.‏

في وجه‏:‏ لا يحرم‏;‏ لأنه يستحق الاستمتاع فلا نحرمه بالشك‏.‏ 

فعلى الأول‏:‏ لو وطئ عصى ولا يلزمه التصدق بدينار على القديم‏;‏ لأنا لم نتيقن الوطء في الحيض وما بين سرتها وركبتها كحائض‏,‏ وعلى الزوج نفقتها ويقسم لها‏,‏ ولا خيار له في فسخ النكاح لأن جماعها ليس ميئوسا عنه بخلاف الرتقاء‏.‏

قال الأذرعي‏:‏ ولو اعتقد الزوج إباحة الوطء‏,‏ فالظاهر أنه ليس لها المنع‏.‏

الثاني‏:‏ يحرم عليها المسجد كالحائض‏.‏

قال في شرح المهذب‏:‏ إلا المسجد الحرام فإنه يجوز دخوله للطواف المفروض وكذا المسنون في الأصح ولا يجوز لغيرها‏.‏

الثالث‏:‏ يحرم عليها قراءة القرآن خارج الصلاة‏,‏ واختار الدارمي جوازها‏,‏ وأما في الصلاة‏:‏ فقراءة الفاتحة وكذا غيرها في الأصح‏.‏

الرابع‏:‏ يجوز تطوعها بالصلاة والصوم والطواف في الأصح‏;‏ لأن النوافل من مهمات الدين وفي منعها تضييق عليها ولأنها مبنية على التخفيف وقيل‏:‏ يحرم لأن حكمها كالحائض وإنما جوز لها الفرض للضرورة ولا ضرورة هنا وقيل يجوز الراتبة وطواف القدوم دون النفل المطلق‏.‏

الخامس‏:‏ يجب عليها الغسل لكل فرض إذا لم تعلم وقت انقطاعه‏,‏ فإن علمته كعند الغروب‏,‏ وجب كل يوم عقب الغروب‏.‏

وبشرط وقوع الغسل في وقت الصلاة لأنها طهارة ضرورة ولا يشترط المبادرة بالصلاة بعده على الصحيح فيهما‏.‏

السادس‏:‏ يجب عليها أداء الصلاة والصوم لوقتهما‏,‏ مع قضاء الصوم أيضا‏,‏ اتفاقا ومع قضاء الصلاة‏,‏ على ما صححه الشيخان وصحح الأسنوي خلافه ونقله عن نص الشافعي وتقضي الطواف أيضا إذا فعلته‏.‏

السابع‏:‏ لا يجوز أن يقتدى بها طاهرة ولا متحيرة لاحتمال مصادفة الحيض‏,‏ فأشبه صلاة الرجل خلف الخنثى‏.‏

الثامن‏:‏ ليس لها الجمع بين الصلاتين تقديما‏;‏ لأن شرطه تقدم الأولى وهي صحيحة يقينا‏,‏ أو بناء على أصل ولم يوجد هنا‏.‏

التاسع‏:‏ لو أفطرت لحمل أو رضاع خوفا على الولد‏,‏ فلا فدية على الصحيح لاحتمال الحيض‏,‏ والأصل براءتها‏.‏

العاشر‏:‏ يجب عليها طواف الوداع ولو تركته فلا دم عليها لما ذكر‏,‏ قاله الروياني‏.‏

الحادي عشر‏:‏ عدتها بثلاثة أشهر في الحال ولا تؤمر بانتظار سن اليأس على الصحيح هذا إذا لم تحفظ دورها‏,‏ فإن حفظته اعتدت بثلاثة أدوار سواء كانت أكثر من ثلاثة أشهر أم أقل‏.‏

 الثاني عشر‏:‏ استبراؤها‏,‏ قال البلقيني لم يتعرضوا له في الاستبراء وتعرضوا له في العدة وهو من المشكلات فإنها وإن كان لها حيض وطهر‏,‏ إلا أن ذلك غير معلوم فنظر إلى الزمان والاحتياط المعروف في عدتها فإذا مضت‏,‏ خمسة وأربعون يوما‏,‏ فقد حصل الاستبراء‏.‏

وبيان ذلك‏:‏ أن يقدر ابتداء حيضها في أول الشهر مثلا‏,‏ فلا يحسب الحيض فإذا مضت خمسة عشر يوما طهرا ثم بعد ذلك خمسة عشر يوما حيضة كاملة‏,‏ فقد حصل الاستبراء‏.‏ الثالث عشر‏:‏ هل يجوز نكاحها لخائف العنت إذا كانت أمة‏,‏ لم أر من تعرض له والظاهر المنع لأن وطأها ممتنع شرعا فلا تندفع الحاجة بها‏.‏

وهل يجوز نكاح الأمة لمن عنده متحيرة‏;‏ الظاهر المنع أيضا لأنها ليست ميئوسا من جماعها بخلاف الرتقاء ويحتمل الجواز‏.‏

القول في أحكام الأعمى

قال أبو حامد في الرونق‏:‏ يفارق الأعمى البصير في سبع مسائل‏:‏

لا جهاد عليه‏,‏ ولا يجتهد في القبلة‏,‏ ولا تجوز إمامته على رأي ضعيف‏,‏ ولا يصح بيعه ولا شراؤه ولا دية في عينيه‏,‏ ولا تقبل شهادته إلا في أربع مسائل‏:‏

الترجمة والنسب وما تحمل وهو بصير وإذا أقر في أذنه رجل فتعلق به حتى شهد عليه عند الحاكم انتهى‏.‏ قلت‏:‏ وبقي أشياء أخر‏:‏ لا يلي الإمامة العظمى ولا القضاء ولا تجب عليه الجمعة ولا الحج إلا إن وجد قائدا‏.‏

قال القاضي الحسين في الجمعة إن أحسن المشي بالعصا من غير قائد لزمته‏.‏

قال في الخادم وينبغي جريانه في الحج‏,‏ بل أولى لعدم تكرره‏.‏ ولا تصح إجارته ولا رهنه ولا هبته ولا مساقاته ولا قبضه ما ورث‏,‏ أو وهب له أو اشتراه سلما أو قبل العمى أو دينه‏.‏

نعم يصح أن يشتري نفسه أو يؤجرها‏;‏ لأنه لا يجهلها أو أن يشتري ما رآه قبل العمى ولم يتغير‏.‏

ويحرم صيده برمي أو كلب في الأصح‏.‏

ولا يجزئ عتقه في الكفارة‏.‏

ويكره ذبحه وكونه مؤذنا راتبا وحده والبصير أولى منه بغسل الميت‏.‏

ولا يكون محرما في المسافرة بقريبته‏;‏ ذكره العبادي في الزيادات‏.‏

وهل له حضانة‏,‏ قال ابن الرفعة‏:‏ لم أر لأصحابنا فيه شيئا غير أن في كلام الإمام ما يؤخذ منه أن العمى مانع فإنه قال‏:‏ إن حفظ الأم للولد الذي لا يستقل ليس مما يقبل القرائن فإن المولود في حركاته وسكناته لو لم يكن ملحوظا من مراقب لا يسهو ولا يغفل لأوشك أن يهلك‏.‏ ومقتضى هذا أن العمى يمنع‏,‏ فإن الملاحظة معه كما وصف لا تتأتى‏.‏ قال الأذرعي في القوت ورأيت في فتاوى ابن البزري أنه سئل عن حضانة العمياء فقال‏:‏ لم أر فيها مسطورا‏,‏ والذي أراه أنه يختلف باختلاف أحوالها فإن كانت ناهضة بحفظ الصغير وتدبيره والنهوض بمصلحته‏,‏ وأن تقيه من الأسواء والمضار فلها الحضانة وإلا فلا وأفتى قاضي قضاة حماة‏,‏ بأن العمى ليس بقادح في الحضانة بشرط أن يكون الحاضن قائما بمصالح المحضون‏,‏ إما بنفسه أو بمن يستعين به‏.‏ وفي فتاوى عبد الملك بن إبراهيم المقدسي الهمداني شارح المفتاح من أقران ابن الصباغ أنه لا حضانة لها‏.‏ قال الأذرعي ولعله أشبه‏,‏ وقد قلت قديما‏:‏ يخالف الأعمى غيره‏,‏ في مسائل فدونكها نظما‏,‏ وأفرغ لها فكرا

إمامته العظمى‏,‏ قضاء‏,‏ شهادة *** وعقد‏,‏ وقبض منه‏,‏ أبطلهما طرا

سوى السلم التوكيل‏,‏ لا إنكاح عتقه *** ولا يتحرى قط في القبلة الغرا

وكره أذان وحده‏,‏ وذكاته *** وأولى اصطياد منه‏,‏ أو رميه حظرا

ولا جمعة‏,‏ أو حج‏;‏ إذ ليس قائد *** ولا عتقه يجزي‏,‏ لفرض خلا النذرا

وليس له في نجله من حضانة *** وفي غسل ميت غيره منه قل أحرى

ولا دية في عينه‏,‏ بل حكومة *** ولا يكف في الأسفار مع امرأة خدرا

فهذا الذي استثني وقد زاد بعضهم أمورا على رأي ضعيف فطب ذكرا

وبقي مسائل فيها خلاف‏,‏ والراجح أنه كالبصير‏.‏

 منها‏:‏ الإمامة في الصلاة فيها أوجه‏,‏ قيل البصير أولى لأنه أشد تحفظا من النجاسات وقيل الأعمى لأنه أخشع والأصح أنهما سواء‏.‏

ومنها‏:‏ هل يجوز اعتماد صوت المؤذن العارف في الغيم والصحو‏,‏ فيه أوجه أصحها الجواز للبصير والأعمى‏,‏ وثالثها يجوز للأعمى دون البصير‏,‏ ورابعها يجوز للأعمى مطلقا وللبصير في الصحو دون الغيم‏;‏ لأن فرض البصير الاجتهاد والمؤذن في الغيم مجتهد فلا يقلده من فرضه الاجتهاد‏,‏ وصححه الرافعي‏.‏

ومنها‏:‏ في صحة السلم منه‏:‏ وجهان‏,‏ الأصح‏:‏ نعم‏.‏ والثاني‏:‏ إن عمي قبل تمييزه لم يصح‏.‏ 

ومنها‏:‏ في إجزاء عتقه‏,‏ في النذر‏:‏ القولان المشهوران‏.‏ أصحهما‏:‏ الإجزاء‏.‏

ومنها‏:‏ هل يجوز أن يكون وصيا‏؟‏ وجهان‏.‏ الأصح‏:‏ نعم‏;‏ لأنه من أهل التصرف في الجملة‏,‏ وما لا يصح منه يوكل فيه‏.‏

ومنها‏:‏ في كونه وليا في النكاح وجهان‏.‏ الأصح‏:‏ يلي‏.‏

ومنها‏:‏ في قتله إذا كان حربيا‏:‏ قولان‏:‏ الأظهر‏:‏ يقتل‏,‏ والثاني‏:‏ يرق بنفس الأسر‏,‏ كالنساء‏.‏

ومنها‏:‏ في ضرب الجزية عليه طريقان‏.‏ المذهب‏:‏ الضرب‏.‏

ومنها‏:‏ في كونه مترجما للقاضي‏:‏ وجهان‏.‏ أصحهما‏:‏ الجواز‏;‏ لأن الحاكم يرى المترجم عنه‏,‏ والأعمى يحكي كلاما يسمعه‏.‏

ومنها‏:‏ في قبول روايته ما تحمله بعد العمى‏.‏ وجهان‏.‏ أصحهما‏:‏ القبول إذا كان ذلك بخط موثوق به واختار الإمام‏,‏ والغزالي المنع‏.‏

ومنها‏:‏ في قبول شهادته بالاستفاضة‏,‏ وجهان‏.‏ الأصح‏:‏ نعم‏,‏ إذا كان المشهود به وله وعليه معروفين لا يحتاج واحد منهم إلى إشارة‏.‏

ومنها‏:‏ هل يكافئ البصير‏؟‏ وجهان‏.‏ الأصح‏:‏ نعم‏.‏

ومنها‏:‏ هل يصح أن يكاتب عبده‏؟‏ وجهان‏.‏ الأصح‏:‏ نعم‏,‏ تغليبا لجانب العتق‏.‏

أما قبول الكتابة من سيده‏,‏ فيصح جزما‏.‏

وأما مسائل اجتهاده‏.‏

فلا خلاف أنه يجتهد في أوقات الصلاة‏;‏ لأن مدركها الأوراد والأذكار‏,‏ وشبهها وهو يشارك البصير في ذلك‏.‏

ولا خلاف‏:‏ أنه لا يجتهد في القبلة‏;‏ لأن غالب أدلتها بصرية‏.‏

وفي الأواني قولان‏:‏ أظهرهما‏,‏ يجتهد‏;‏ لأنه يمكنه الوقوف على الأمارات‏,‏ باللمس والشم‏,‏ واعوجاج الإناء‏,‏ واضطراب الغطاء‏,‏ وغير ذلك‏.‏ والثاني‏:‏ لا‏;‏ لأن للنظر أثرا في حصول الظن بالمجتهد فيه‏,‏ لكنه في الوقت مخير بين الاجتهاد والتقليد‏,‏ وفي الأواني لا يجوز له التقليد‏.‏

والفرق‏:‏ أن الاجتهاد في الأوقات‏,‏ إنما يتأتى بأعمال مستغرقة للوقت‏,‏ وفي ذلك مشقة ظاهرة‏,‏ بخلافه في الأواني‏.‏

فإن تخير في الأواني‏:‏ قلد ولا يقلد البصير إن تخير‏,‏ بل يتيمم‏.‏

وأما اجتهاده في الثياب‏,‏ ففيه القولان‏,‏ في الأواني‏,‏ كما ذكره في الكفاية‏.‏ 

أما أوقات الصوم والفطر فقال العلائي‏:‏ لم أظفر بها منقولة‏,‏ فيحتمل أن يكون كأوقات الصلاة‏.‏

 ويمكن الفرق بينهما‏,‏ بما في مراعاة طلوع الفجر وغروب الشمس دائما من المشقة فالظاهر‏:‏ جواز التقليد‏,‏ فإن لم يجد من يقلده‏:‏ خمن وأخذ بالأحوط‏.‏

قلت‏:‏ هذا كلام غير منتهض‏;‏ لأنه يشعر بأنه ليس له التقليد في أوقات الصلاة‏,‏ والمنقول خلافه‏,‏ فإذن أوقات الصلاة والصوم سواء‏,‏ في جواز الاجتهاد والتقليد وهو مقتضى عموم كلام الأصحاب‏,‏ والله أعلم‏.‏

ومن مسائل الأعمى‏.‏

أنه يجوز له وطء زوجته اعتمادا على صوتها‏.‏

وفي جفنه‏:‏ الدية ويقطع به جفن البصير‏.‏

القول في أحكام الكافر

اختلف‏:‏ هل الكفار مكلفون بفروع الشريعة على مذاهب‏.‏ أصحها‏:‏ نعم‏.‏ قال في البرهان‏:‏ وهو ظاهر مذهب الشافعي فعلى هذا يكون مكلفا بفعل الواجب وترك الحرام‏,‏ وبالاعتقاد في المندوب‏,‏ والمكروه‏,‏ والمباح‏.‏

والثاني‏:‏ لا‏,‏ واختاره أبو إسحاق الإسفراييني‏.‏

والثالث‏:‏ مكلفون بالنواهي‏,‏ دون الأوامر‏.‏

والرابع‏:‏ مكلفون‏,‏ بما عدا الجهاد‏,‏ أما الجهاد‏:‏ فلا‏,‏ لامتناع قتالهم أنفسهم‏.‏

والخامس‏:‏ المرتد مكلف دون الكافر الأصلي‏.‏

وقال النووي في شرح المهذب‏:‏ اتفق أصحابنا على أن الكافر الأصلي‏,‏ لا يجب عليه الصلاة‏,‏ والزكاة‏,‏ والحج‏,‏ وغيرها من فروع الإسلام‏,‏ والصحيح في كتب الأصول أنه مخاطب بالفروع‏,‏ كما هو مخاطب بأصل الإيمان‏.‏

وليس مخالفا لما تقدم‏;‏ لأن المراد هنا غير المراد هناك‏,‏ فالمراد هناك أنهم لا يطالبون بها في الدنيا‏,‏ مع كفرهم وإذا أسلم أحدهم لم يلزمه قضاء الماضي ولم يتعرضوا لعقوبة الآخرة‏.‏

ومرادهم في كتب الأصول‏:‏ أنهم يعذبون عليها في الآخرة زيادة على عذاب الكفر‏,‏ فيعذبون عليها‏,‏ وعلى الكفر جميعا‏,‏ لا على الكفر وحده‏.‏

ولم يتعرضوا للمطالبة في الدنيا‏,‏ فذكروا في الأصول حكم طرف وفي الفروع حكم الطرف الآخر‏.‏ قال‏:‏ وإذا فعل الكافر الأصلي قربة‏,‏ يشترط النية لصحتها‏,‏ كالصدقة‏,‏ والضيافة والإعتاق‏,‏ والقرض‏,‏ وصلة الرحم‏,‏ وأشباه ذلك فإن مات على كفره‏,‏ فلا ثواب له عليها في الآخرة‏,‏ لكن يطعم بها في الدنيا‏,‏ ويوسع في رزقه‏,‏ وعيشه‏,‏ فإذا أسلم‏,‏ فالصواب المختار أنه يثاب عليها في الآخرة للحديث الصحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏إذا أسلم العبد‏,‏ فحسن إسلامه كتب الله له كل حسنة كان أزلفها‏"‏ أي قدمها‏.‏ وفي الصحيحين عن حكيم بن حزام قال‏:‏ قلت‏:‏ يا رسول الله‏:‏ أرأيت أمورا كنت أتحنث بها في الجاهلية من صداقة‏,‏ أو عتاقة‏,‏ أو صلة رحم‏,‏ أفيها أجر‏؟‏ فقال‏:‏ ‏"‏أسلمت على ما أسلفت من خير‏"‏‏.‏

فهذان حديثان صحيحان لا يمنعهما عقل‏,‏ ولم يرد الشرع بخلافهما فوجب العمل بهما وقد نقل الإجماع على ما ذكرته من إثبات ثوابه إذا أسلم‏.‏ وأما قول أصحابنا وغيرهم‏:‏ لا تصح من كافر عبادة‏,‏ ولو أسلم لم يعتد بها‏,‏ فمرادهم لا يعتد بها في أحكام الدنيا‏,‏ وليس فيه تعرض لثواب الآخرة‏.‏ فإن أطلق مطلق أنه لا يثاب عليها في الآخرة وصرح بذلك‏,‏ فهو مجازف غالط‏,‏ مخالف للسنة الصحيحة التي لا معارض لها‏.‏ وقد قال الشافعي‏,‏ والأصحاب‏,‏ وغيرهم من العلماء‏:‏ إذا لزم الكافر كفارة ظهار أو قتل‏,‏ أو غيرها‏,‏ فكفر في حال كفره أجزأه‏,‏ وإذا أسلم لا تلزمه إعادتها‏.‏ ا هـ كلام شرح المهذب‏.‏

قاعدة‏:‏ تجري على الذمي أحكام المسلمين‏.‏

إلا ما يستثنى من ذلك‏.‏

لا يؤمر بالعبادات ولا تصح منه ولا يمنع من المكث في المسجد جنبا بخلافه حائضا وليس له دخوله بلا إذن ويعزر إن فعله ولا يؤذن له لنوم أو أكل‏,‏ بل لسماع قرآن أو علم ولا يصح نذره‏.‏

وللإمام استئجاره على الجهاد‏.‏

ولا يحد لشرب الخمر ولا تراق عليه‏,‏ بل ترد إذا غصبت منه إلا أن يظهر شربها أو بيعها‏.‏

ولا يمنع من لبس الحرير والذهب ولا من تعظيم المسلم بحني الظهر عند الرافعي‏.‏

وينكح الأمة بلا شرط‏.‏ 

ولا تلزمه إجابة من دعاه لوليمة‏.‏

ولو تناكحوا فاسدا أو تبايعوا فاسدا أو تقابضوا وأسلموا لم يتعرض لهم‏.‏

والأمة الكتابية لا تحل لمسلم ولو كان عبدا في المشهور‏.‏

ومما يجري عليه في أحكام المسلمين‏:‏

وجوب كفارة القتل والظهار واليمين والصيد في الحرم وحد الزنا والسرقة‏.‏

ضابط‏:‏

الإسلام يجب ما قبله في حقوق الله‏,‏ دون ما تعلق به حق آدمي‏,‏ كالقصاص وضمان المال‏.‏

ويستثنى من الأول صور‏:‏

منها‏:‏ أجنب ثم أسلم‏,‏ لا يسقط الغسل خلافا للإصطخري‏.‏

ومنها‏:‏ لو جاوز الميقات مريدا للنسك‏,‏ ثم أسلم وأحرم دونه وجب الدم خلافا للمزني‏.‏

ومنها‏:‏ أسلم وعليه كفارة يمين أو ظهار أو قتل‏,‏ لم يسقط في الأصح‏.‏

ولو زنى ثم أسلم‏,‏ فعن نص الشافعي أن حد الزنا يسقط عنه بالإسلام‏.‏

فرع‏:‏

اختص اليهود والنصارى بالإقرار بالجزية‏,‏ وحل المناكحة والذبائح‏,‏ ودياتهم ثلث دية المسلمين‏.‏ ويشاركهم المجوس في الأول فقط‏,‏ ودياتهم ثلثا عشر دية المسلمين‏.‏ ومن له أمان من وثني ونحوه‏,‏ له الأخير فقط‏.‏

فرع‏:‏

لا توارث بين المسلم والكافر‏,‏ وكذا العقل وولاية النكاح‏.‏

ويرث اليهودي النصراني‏,‏ وعكسه إلا الحربي والذمي وعكسه‏.‏

وينبني على ذلك‏,‏ العقل وولاية النكاح‏.‏

القول في أحكام الجان

قل من تعرض لها من أصحابنا‏.‏

وقد ألف فيها من الحنفية القاضي بدر الدين الشبلي كتابه‏.‏ آكام المرجان‏:‏ في أحكام الجان‏.‏ 

قال السبكي في فتاويه‏:‏ وقال ابن عبد البر‏:‏ الجن عند الجماعة مكلفون مخاطبون‏.‏

وقال القاضي عبد الجبار‏:‏ لا نعلم خلافا بين أهل النظر في ذلك‏,‏ والقرآن ناطق بذلك في آيات كثيرة‏.‏

وهذه فروع‏:‏

الأول‏:‏ هل يجوز للإنسي نكاح الجنية قال العماد بن يونس في شرح الوجيز‏:‏ نعم وفي المسائل التي سأل الشيخ جمال الدين الأسنوي عنها قاضي القضاة شرف الدين البارزي إذا أراد أن يتزوج بامرأة من الجن عند فرض إمكانه فهل يجوز ذلك أو يمتنع فإن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً‏}‏ فامتن الباري تعالى بأن جعل ذلك من جنس ما يؤلف‏.‏

فإن جوزنا ذلك وهو المذكور في شرح الوجيز لابن يونس فهل يجبرها على ملازمة المسكن أو لا‏؟‏ وهل له منعها من التشكل في غير صور الآدميين عند القدرة عليه‏,‏ لأنه قد تحصل النفرة أو لا‏,‏ وهل يعتمد عليها فيما يتعلق بشروط صحة النكاح من أمر وليها وخلوها عن الموانع أو لا‏,‏ وهل يجوز قبول ذلك من قاضيهم أو لا‏,‏ وهل إذا رآها في صورة غير التي ألفها وادعت أنها هي‏,‏ فهل يعتمد عليها ويجوز له وطؤها أو لا‏,‏ وهل يكلف الإتيان بما يألفونه من قوتهم‏,‏ كالعظم وغيره إذا أمكن الاقتيات بغيره أو لا‏.‏

فأجاب‏:‏ لا يجوز له أن يتزوج بامرأة من الجن‏,‏ لمفهوم الآيتين الكريمتين‏,‏ قوله تعالى في سورة النحل‏:‏ ‏{‏وَاللَّهُ جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً‏}‏ وقوله في سورة الروم‏:‏ ‏{‏وَمِنْ آيَاتِهِ أَنْ خَلَقَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ أَزْوَاجاً‏}‏‏.‏ قال المفسرون في معنى الآيتين‏:‏ ‏{‏جَعَلَ لَكُمْ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏}‏ أي من جنسكم ونوعكم وعلى خلقكم‏,‏ كما قال تعالى‏:‏ ‏{‏لَقَدْ جَاءَكُمْ رَسُولٌ مِنْ أَنْفُسِكُمْ‏}‏ أي من الآدميين‏;‏ ولأن اللاتي يحل نكاحهن‏:‏ بنات العمومة وبنات الخؤولة‏,‏ فدخل في ذلك من هي في نهاية البعد كما هو المفهوم من آية الأحزاب‏:‏ ‏{‏وَبَنَاتِ عَمِّكَ وَبَنَاتِ عَمَّاتِكَ وَبَنَاتِ خَالِكَ وَبَنَاتِ خَالاتِكَ‏}‏ والمحرمات غيرهن‏,‏ وهن الأصول والفروع‏,‏ وفروع أول الأصول وأول الفروع من باقي الأصول‏,‏ كما في آية التحريم في النساء‏,‏ فهذا كله في النسب‏,‏ وليس بين الآدميين والجن نسب‏.‏

هذا جواب البارزي‏.‏ فإن قلت‏:‏ ما عندك من ذلك‏.‏ قلت‏:‏ الذي أعتقده التحريم‏,‏ لوجوه‏:‏

منها‏:‏ ما تقدم من الآيتين‏.‏ 

ومنها‏:‏ ما روى حرب الكرماني في مسائله عن أحمد وإسحاق قالا‏:‏ حدثنا محمد بن يحيى القطيعي حدثنا بشر بن عمر حدثنا ابن لهيعة عن يونس بن يزيد عن الزهري قال‏:‏ ‏"‏نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن نكاح الجن‏"‏‏.‏والحديث وإن كان مرسلا فقد اعتضد بأقوال العلماء‏.‏

فروي المنع منه عن الحسن البصري‏,‏ وقتادة‏,‏ والحكم بن عيينة وإسحاق بن راهويه‏,‏ وعقبة الأصم‏.‏ وقال الجمال السجستاني من الحنفية‏.‏ في كتاب ‏"‏منية المفتي عن الفتاوى السراجية‏"‏ لا يجوز المناكحة بين الإنس والجن‏,‏ وإنسان الماء لاختلاف الجنس‏.‏

ومنها‏:‏ أن النكاح شرع للألفة‏,‏ والسكون‏,‏ والاستئناس‏,‏ والمودة‏,‏ وذلك مفقود في الجن‏,‏ بل الموجود فيهم ضد ذلك‏,‏ وهو العداوة التي لا تزول‏.‏

ومنها‏:‏ أنه لم يرد الإذن من الشرع في ذلك‏,‏ فإن الله تعالى قال‏:‏ ‏{‏فَانْكِحُوا مَا طَابَ لَكُمْ مِنَ النِّسَاءِ‏}‏ والنساء‏:‏ اسم لإناث بني آدم خاصة‏,‏ فبقي ما عداهن على التحريم‏;‏ لأن الأصل في الأبضاع الحرمة حتى يرد دليل على الحل‏.‏

ومنها‏:‏ أنه قد منع من نكاح الحر للأمة‏;‏ لما يحصل للولد من الضرر بالإرقاق‏,‏ ولا شك أن الضرر بكونه من جنية وفيه شائبة من الجن خلقا وخلقا‏,‏ وله بهم اتصال ومخالطة أشد من ضرر الإرقاق الذي هو مرجو الزوال بكثير‏,‏ فإذا منع من نكاح الأمة مع الاتحاد في الجنس للاختلاف في النوع‏,‏ فلأن يمنع من نكاح ما ليس من الجنس من باب أولى‏.‏

وهذا تخريج قوي‏,‏ لم أر من تنبه له‏.‏ ويقويه أيضا أنه نهى عن إنزاء الحمر على الخيل‏,‏ وعلة ذلك‏:‏ اختلاف الجنس وكون المتولد منها يخرج عن جنس الخيل‏,‏ فيلزم منه قلتها‏,‏ وفي حديث النهي‏:‏ ‏"‏إنما يفعل ذلك الذين لا يعلمون‏"‏‏,‏ فالمنع من ذلك فيما نحن فيه أولى‏.‏ وإذا تقرر المنع‏,‏ فالمنع من نكاح الجني الإنسية أولى وأحرى‏.‏ لكن روى أبو عثمان سعيد بن العباس الرازي‏,‏ في كتاب‏:‏ الإلهام والوسوسة‏,‏ فقال‏:‏ حدثنا مقاتل‏,‏ حدثني سعيد بن داود الزبيدي قال‏:‏ كتب قوم من أهل اليمن إلى مالك يسألونه عن نكاح الجن‏,‏ وقالوا‏:‏ إن ههنا رجلا من الجن يخطب إلينا جارية يزعم أنه يريد الحلال‏,‏ فقال‏:‏ ‏"‏ما أرى بذلك بأسا في الدين ولكن أكره إذا وجدت امرأة حامل‏,‏ قيل لها‏:‏ من زوجك‏؟‏ قالت‏:‏ من الجن‏,‏ فيكثر الفساد في الإسلام بذلك‏"‏ انتهى‏.‏ 

الفرع الثاني‏:‏ لو وطئ الجني الإنسية‏,‏ فهل يجب عليها الغسل لم يذكر ذلك أصحابنا‏.‏

وعن بعض الحنفية والحنابلة‏:‏ أنه لا غسل عليها‏,‏ لعدم تحقق الإيلاج‏,‏ والإنزال‏,‏ فهو كالمنام بغير إنزال‏.‏ قلت‏:‏ وهو الجاري على قواعدنا‏.‏

الثالث‏:‏ هل تنعقد الجماعة بالجن‏؟‏‏.‏

قال صاحب آكام المرجان‏:‏ نعم‏.‏ ونقله عن ابن الصيرفي الحنبلي‏.‏ واستدل بحديث أحمد عن ابن مسعود في قصة الجن‏.‏ وفيه فلما قام رسول الله صلى الله عليه وسلم يصلي أدركه شخصان منهم فقالا‏:‏ يا رسول الله إنا نحب أن تؤمنا في صلاتنا‏:‏ قال‏:‏ ‏"‏فصففنا خلفه‏,‏ ثم صلى بنا‏,‏ ثم انصرف‏"‏‏.‏ وروى سفيان الثوري في تفسيره عن إسماعيل البجلي عن سعيد بن جبير‏.‏ قال‏:‏ قالت الجن للنبي صلى الله عليه وسلم‏:‏ كيف لنا بمسجدك أن نشهد الصلاة معك‏,‏ ونحن ناءون عنك‏؟‏ فنزلت‏:‏ ‏{‏وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلا تَدْعُو مَعَ اللَّهِ أَحَداً‏}‏‏.‏ قلت‏:‏ ونظير ذلك ما في الحلبيات للسبكي‏:‏ أن الجماعة تحصل بالملائكة‏,‏ كما تحصل بالآدميين‏.‏

قال‏:‏ وبعد أن قلت ذلك بحثا رأيته منقولا‏.‏ ففي فتاوى الحناطي من أصحابنا‏:‏ فيمن صلى في فضاء من الأرض بأذان وإقامة‏,‏ وكان منفردا‏,‏ ثم حلف أنه صلى بالجماعة‏.‏ هل يحنث أم لا‏؟‏‏.‏

قال‏:‏ يكون بارا في يمينه‏,‏ ولا كفارة عليه‏,‏ لما روي أن النبي صلى الله عليه وسلم قال‏:‏ ‏"‏من أذن وأقام في فضاء من الأرض‏,‏ وصلى وحده‏,‏ صلت الملائكة خلفه صفوفا‏"‏‏.‏

فإذا حلف على هذا المعنى‏,‏ لا يحنث ا هـ‏.‏ قال السبكي‏:‏ وينبني على ذلك أن من ترك الجماعة لعذر‏,‏ وقلنا بأنها فرض عين هل نقول‏:‏ يجب القضاء كمن صلى فاقد الطهورين‏,‏ فإن كان كذلك‏,‏ فصلاة الملائكة إن قلنا‏:‏ بأنها كصلاة الآدميين‏,‏ وأنها تصير بها جماعة‏,‏ فقد يقال إنها تكفي لسقوط القضاء‏.‏ قلت‏:‏ وعلى هذا يندب نية الجماعة للمصلي‏,‏ أو الإمامة‏.‏

الرابع‏:‏ قال في آكام المرجان‏:‏ نقل ابن الصيرفي عن شيخه أبي البقاء العكبري الحنبلي‏:‏ أنه سئل عن الجني هل تصح الصلاة خلفه‏:‏ فقال نعم لأنهم مكلفون والنبي صلى الله عليه وسلم مرسل إليهم‏.‏ 

الخامس‏:‏ إذا مر الجني بين يدي المصلي‏,‏ فهل يقطع صلاته‏؟‏ فيه روايتان‏,‏ عن أحمد‏.‏

قلت أما مذهبنا‏:‏ فالصلاة لا يقطعها مرور شيء لكن يقاتل‏,‏ كما يقاتل الإنس‏.‏

السادس‏:‏ قال ابن تيمية‏:‏ لا يجوز قتل الجني بغير حق‏,‏ كما لا يجوز قتل الإنسي بغير حق والظلم محرم في كل حال‏.‏

فلا يحل لأحد أن يظلم أحدا‏,‏ ولو كان كافرا‏,‏ والجن يتصورون في صور شتى‏,‏ فإذا كانت حيات البيوت قد تكون جنيا فيؤذن ثلاثا‏,‏ كما في الحديث‏,‏ فإن ذهبت فبها‏,‏ وإلا قتلت‏,‏ فإنها إن كانت حية أصلية قتلت‏,‏ وإن كانت جنية‏,‏ فقد أصرت على العدوان بظهورها للإنس في صورة حية تفزعهم بذلك‏,‏ والعادي‏:‏ هو الصائل الذي يجوز دفعه بما يدفع ضرره‏:‏ ولو كان قتلا‏.‏ ا هـ‏.‏

وقد روى ابن أبي الدنيا أن عائشة رأت في بيتها حية‏,‏ فأمرت بقتلها‏,‏ فقتلت‏,‏ فأتيت في تلك الليلة‏,‏ فقيل لها‏:‏ إنها من النفر الذين استمعوا الوحي من النبي صلى الله عليه وسلم فأرسلت إلى اليمن‏,‏ فابتيع لها أربعين رأسا‏,‏ فأعتقتهم‏.‏

وروى ابن أبي شيبة في مصنفه‏,‏ نحوه وفيه ‏"‏فلما أصبحت أمرت باثني عشر ألف درهم‏,‏ ففرقت على المساكين‏.‏

وكيفية الإيذان كما في الحديث ‏"‏نسألك بعهد نوح‏,‏ وسليمان بن داود‏:‏ أن لا تؤذينا‏"‏‏,‏

السابع‏:‏ في رواية الجن للحديث‏:‏ أورد فيه صاحب آكام المرجان آثارا مما رووه‏,‏ فكأنه رأى بذلك قبول روايتهم‏.‏

والذي أقول‏:‏ إن الكلام في مقامين‏:‏ روايتهم عن الإنس‏,‏ ورواية الإنس عنهم‏.‏

فأما الأول‏:‏ فلا شك في جواز روايتهم عن الإنس ما سمعوه منهم‏,‏ أو قرئ عليهم وهم يسمعون‏,‏ سواء علم الإنسي بحضورهم أم لا‏,‏ وكذا إذا أجاز الشيخ من حضر‏,‏ أو سمع‏,‏ دخلوا في إجازته‏,‏ وإن لم يعلم به‏,‏ كما في نظير ذلك من الإنس‏.‏

وأما رواية الإنس عنهم‏.‏ فالظاهر‏:‏ منعها‏,‏ لعدم حصول الثقة بعدالتهم‏.‏

وقد ورد في الحديث‏:‏ ‏"‏يوشك أن تخرج شياطين كان أوثقها سليمان بن داود‏,‏ فيقولون حدثنا وأخبرنا‏"‏

وأما الآثار التي أوردها صاحب آكام المرجان‏,‏ وهي‏:‏ ما أخرجه الحافظ أبو نعيم حدثنا الحسن بن إسحاق بن إبراهيم‏.‏ حدثنا أحمد بن عمرو بن جابر الرملي‏.‏ حدثنا أحمد بن محمد بن طريف‏.‏ حدثنا محمد بن كثير عن الأعمش‏,‏ حدثني وهب بن جابر عن أبي بن كعب قال‏:‏ خرج قوم يريدون مكة‏,‏ فأضلوا الطريق‏,‏ فلما عاينوا الموت‏,‏ أو كادوا أن يموتوا‏,‏ لبسوا أكفانهم‏,‏ وتضجعوا للموت‏,‏ فخرج عليهم جني يتخلل الشجر‏.‏ وقال أنا بقية النفر الذين استمعوا على محمد صلى الله عليه وسلم سمعته يقول‏:‏ ‏"‏المؤمن أخو المؤمن ودليله لا يخذله‏"‏ هذا الماء‏,‏ وهذا الطريق‏.‏ وقال ابن أبي الدنيا‏:‏ حدثني أبي حدثنا عبد العزيز القرشي أخبرنا إسرائيل عن السدي عن مولى عبد الرحمن بن بشر قال‏:‏ خرج قوم حجاجا في إمرة عثمان فأصابهم عطش‏,‏ فانتهوا إلى ماء ملح‏,‏ فقال بعضهم‏:‏ لو تقدمتم فإنا نخاف أن يهلكنا هذا الماء فساروا حتى أمسوا‏,‏ فلم يصيبوا ماء‏,‏ فأدلجوا إلى شجرة سمر‏,‏ فخرج عليهم رجل أسود شديد السواد جسيم‏,‏ فقال‏:‏ يا معشر الركب‏,‏ إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول‏:‏ ‏"‏من كان يؤمن بالله واليوم الآخر فليحب للمسلمين ما يحب لنفسه‏,‏ ويكره للمسلمين ما يكره لنفسه‏,‏ فسيروا حتى تنتهوا إلى أكمة‏,‏ فخذوا عن يسارها‏,‏ فإن الماء ثم‏"‏‏.‏وقال أيضا‏:‏ حدثني محمد بن الحسين حدثنا يوسف بن الحكم الرقي حدثنا فياض بن محمد أن عمر بن عبد العزيز بينا هو يسير على بغلة إذا هو بجان ميت على قارعة الطريق فنزل فأمر به‏,‏ فعدل عن الطريق ثم حفر له‏,‏ فدفنه وواراه‏,‏ ثم مضى‏,‏ فإذا هو بصوت عال‏,‏ يسمعونه‏,‏ ولا يرون أحدا‏:‏ ليهنك البشارة من الله يا أمير المؤمنين‏,‏ أنا وصاحبي هذا الذي دفنته من الجن الذين قال الله فيهم‏:‏ ‏{‏وَإِذْ صَرَفْنَا إِلَيْكَ نَفَراً مِنَ الْجِنِّ يَسْتَمِعُونَ الْقُرْآنَ‏}‏ فلما أسلمنا قال رسول الله صلى الله عليه وسلم لصاحبي هذا‏:‏ ‏"‏ستموت في أرض غربة يدفنك فيه يومئذ خير أهل الأرض‏"‏‏.‏فالجواب عنها‏:‏ أن رواتها ممن سمع من النبي صلى الله عليه وسلم فالظاهر أن لهم حكم الصحابة في عدم البحث عن عدالتهم‏.‏

وقد ذكر حفاظ الحديث‏,‏ ممن صنف في الصحابة‏,‏ مؤمني الجن فيهم‏.‏ قال الحافظ أبو الفضل العراقي‏:‏ وقد استشكل ابن الأثير ذكر مؤمني الجن في الصحابة دون من رآه من الملائكة‏,‏ وهم أولى بالذكر‏.‏ قال‏:‏ وليس كما زعم‏,‏ لأن الجن من جملة المكلفين الذين شملتهم الرسالة والبعثة فكان ذكر من عرف اسمه‏,‏ ممن رآه حسنا‏,‏ بخلاف الملائكة‏.‏ انتهى‏.‏

الثامن‏:‏ لا يجوز الاستنجاء بزاد الجن‏.‏ وهو العظم‏,‏ كما ثبت في الحديث‏.‏

فوائد‏:‏

الأولى‏:‏ الجمهور على أنه لم يكن من الجن نبي‏,‏ وأما قوله تعالى‏:‏ ‏{‏يَا مَعْشَرَ الْجِنِّ وَالْأِنْسِ أَلَمْ يَأْتِكُمْ رُسُلٌ مِنْكُمْ‏}‏ فتأولوه على أنهم رسل عن الرسل‏,‏ سمعوا كلامهم‏,‏ فأنذروا قومهم‏,‏ لا عن الله‏.‏ وذهب الضحاك‏,‏ وابن حزم إلى أنه كان منهم أنبياء‏.‏ واستدل بحديث‏:‏ ‏"‏وكان النبي يبعث إلى قومه خاصة‏"‏‏.‏ قال‏:‏ وليس الجن من قومه‏,‏ ولا شك أنهم قد أنذروا‏,‏ فصح أنهم‏.‏ جاءهم أنبياء منهم‏.‏

الثانية‏:‏ لا خلاف في أن كفار الجن في النار‏.‏

واختلف‏:‏ هل يدخل مؤمنهم الجنة‏,‏ ويثابون على الطاعة‏؟‏ على أقوال‏,‏ أحسنها‏:‏ نعم‏,‏ وينسب للجمهور‏.‏

ومن أدلته‏:‏ قوله تعالى‏:‏ ‏{‏وَلِمَنْ خَافَ مَقَامَ رَبِّهِ جَنَّتَانِ فَبِأَيِّ آلاءِ رَبِّكُمَا تُكَذِّبَانِ‏}‏ إلى آخر السورة‏,‏ والخطاب للجن والإنس‏,‏ فامتن عليهم بجزاء الجنة ووصفها لهم‏,‏ وشوقهم إليها‏,‏ فدل على أنهم ينالون ما امتن به عليهم إذا آمنوا‏.‏ وقيل‏:‏ لا يدخلونها‏,‏ وثوابهم النجاة من النار‏.‏

وقيل‏:‏ يكونون في الأعراف‏.‏

الثالثة‏:‏ ذهب الحارث المحاسبي إلى أن الجن الذين يدخلون الجنة يكونون يوم القيامة نراهم ولا يرونا‏,‏ عكس ما كانوا عليه في الدنيا‏.‏

الرابعة‏:‏ صرح ابن عبد السلام‏,‏ بأن الملائكة في الجنة لا يرون الله تعالى‏.‏

قال‏:‏ لأن الله تعالى‏:‏ ‏{‏لا تُدْرِكُهُ الْأَبْصَارُ‏}‏ وقد استثني منه مؤمنو البشر‏,‏ فبقي على عمومه في الملائكة‏.‏ قال في آكام المرجان‏:‏ ومقتضى هذا أن الجن لا يرونه‏;‏ لأن الآية باقية على العموم فيهم أيضا‏.‏

القول في أحكام المحارم

قال الأصحاب‏:‏ المحرم من حرم نكاحها على التأبيد‏,‏ بنسب أو بسبب مباح لحرمتها فخرج بالأول‏:‏ ولد العمومة‏,‏ والخؤولة‏.‏

وبقولنا‏:‏ على التأبيد‏.‏ أخت الزوجة وعمتها‏,‏ وخالتها‏.‏

وبقولنا‏:‏ بسبب مباح‏.‏ أم الموطوءة بشبهة‏,‏ وبنتها‏,‏ فإنها محرمة النكاح‏,‏ وليست محرما‏;‏ إذ وطء الشبهة لا يوصف بالإباحة‏.‏

وبقولنا‏:‏ لحرمتها‏.‏ الملاعنة فإنها حرمت تغليظا عليه‏.‏

والأحكام التي للمحرم مطلقا‏,‏ سواء كان من نسب أو رضاع‏,‏ أو مصاهرة‏:‏ تحريم النكاح وجواز النظر‏,‏ والخلوة‏,‏ والمسافرة‏,‏ وعدم نقض الوضوء‏.‏

أما تحريم النكاح فلا يشاركه فيه على التأبيد إلا الملائكة‏,‏ وسائر المحرمات‏,‏ فليست على التأبيد‏.‏

فأخت الزوجة‏,‏ وعمتها‏,‏ وخالتها‏:‏ تحل بمفارقتها‏.‏

والأمة‏:‏ تحل إذا عتقت‏,‏ أو أعسر‏.‏

والمجوسية‏:‏ تحل إذا أسلمت‏.‏

والمطلقة ثلاثا‏:‏ تحل إذا نكحت زوجا غيره‏.‏

وأما جواز النظر فهل يشاركه فيه العبد‏؟‏ وجهان صحح الرافعي منهما‏:‏ الجواز ووافقه النووي في المنهاج‏.‏ وقال في الروضة من زوائده‏:‏ فيه نظر‏.‏ وصحح في مجموع له على المهذب‏:‏ التحريم‏.‏ وبالغ فيه‏,‏ وعبارته‏:‏ هذه المسألة مما تعم بها البلوى‏.‏ ويكثر الاحتياج إليها‏,‏ والخلاف فيها مشهور‏.‏ والصحيح عند أكثر أصحابنا‏:‏ أنه محرم لها‏,‏ كما نص عليه الشافعي‏.‏ ونقل عن جماعة تصحيحه‏.‏ وقال الشيخ أبو حامد‏:‏ الصحيح عند أصحابنا أن لا يكون محرما لها‏.‏ لأن الحرمة إنما تثبت بين الشخصين لم تخلق بينهما شهوة‏,‏ كالأخ‏,‏ والأخت‏,‏ وغيرهما‏.‏

وأما العبد‏,‏ وسيدته‏:‏ فشخصان خلقت بينهما الشهوة‏.‏

قال‏:‏ وأما الآية‏,‏ وهي قوله تعالى‏:‏ ‏{‏أَوْ مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُنَّ‏}‏ فقال أهل التفسير فيها‏:‏ المراد بها‏:‏ الإماء دون العبيد‏.‏ وأما الخبر‏:‏ وهو ما رواه أبو داود والبيهقي عن أنس أن النبي صلى الله عليه وسلم أتى فاطمة بعبد‏,‏ وقد وهبه لها‏,‏ وعلى فاطمة ثوب إذا قنعت به رأسها‏,‏ لم يبلغ رجليها‏,‏ وإذا غطت به رجليها لم يبلغ رأسها فلما رأى النبي صلى الله عليه وسلم ما تلقى قال‏:‏ ‏"‏إنه ليس عليك بأس‏,‏ إنما هو أبوك‏,‏ وغلامك‏"‏‏,‏ فيحتمل أن يكون الغلام صغيرا‏.‏ قال‏:‏ وهذا الذي صححه الشيخ أبو حامد‏:‏ هو الصواب‏,‏ بل لا ينبغي أن يجري فيه خلاف بل يقطع بتحريمه‏,‏ وكيف يفتح هذا الباب للنسوة الفاسقات‏؟‏ مع حسان المماليك‏,‏ الذين الغالب من أحوالهم الفسق‏,‏ بل العدالة فيهم في غاية القلة‏؟‏ وكيف يستجيز الإنسان الإفتاء بأن هذا المملوك يبيت ويقيل مع سيدته‏,‏ مكررا ذلك‏,‏ مع ما هما عليه من التقصير في الدين‏؟‏ وكل منصف يقطع بأن أصول الشريعة تستقبح هذا تحرمه أشد تحريم‏.‏ ثم القول بأنه محرم‏:‏ ليس له دليل ظاهر‏,‏ فإن الصواب في الآية أنها في الإماء‏,‏ والخبر محمول على أنه كان صغيرا‏.‏ انتهى كلام النووي‏.‏

وقد اختار التحريم أيضا‏:‏ السبكي في تكملة شرح المهذب‏.‏ وفي الحلبيات‏.‏

وقال‏:‏ إن تأويل الحديث على أنه كان صغيرا جدا‏,‏ لا سيما والغلام في اللغة إنما يطلق على الصبي‏.‏ وهي واقعة حال‏,‏ ولم يعلم بلوغه‏,‏ فلا حجة فيها للجواز‏.‏ ولم يحصل مع ذلك خلوة‏,‏ ولا معرفة ما حصل النظر إليه‏,‏ وإنما فيه نفي البأس عن تلك الحالة التي علمت حقيقتها‏.‏ ولم تجد فاطمة ما يحصل به كمال الستر الذي قصدته‏.‏ وغايته‏:‏ التعليل باسم الغلام‏,‏ وهو اسم للصبي‏,‏ أو محتمل له‏,‏ والاحتمال في وقائع الأحوال يسقط الاستدلال‏.‏ انتهى‏.‏

واختاره أيضا الأذرعي وغيره من المتأخرين‏,‏ وأفتيت به مرات‏.‏ ولا أعتقد سواه‏.‏ وأما الخلوة‏,‏ والمسافرة فالعبد فيهما مبني على النظر إن شاركه المحرم فيه شاركه فيهما‏,‏ وإلا فلا‏.‏ ويشاركه الزوج فيهما لا محالة‏.‏ بل يزيد في النظر‏,‏ ويكتفى في سفر حج الفرض بنسوة ثقات‏,‏ على ما سيأتي تحريره‏,‏ في أحكام السفر‏.‏ وأما عدم نقض الوضوء فلا يشاركه فيه غيره‏.‏

ومن أحكام المحرم‏.‏

جواز إعارة الأمة‏,‏ وإجارتها‏,‏ ورهنها عنده‏,‏ وإقراضها‏.‏

ومن اطلع إلى دار غيره‏,‏ وبها محرم له‏,‏ لم يجز رميه‏.‏

ويجوز أن يساكن الرجل مطلقته مع محرم له‏,‏ أو لها‏,‏ ولو عاشرها في عدة الرجعية كزوج مع وجود محرم‏:‏ لم يمنع انقضاء العدة‏.‏

ويختص المحرم النسيب بأحكام‏.‏

منها‏:‏ تغليظ الدية في قتله خطأ‏,‏ فلا تغلظ في المحرم بالرضاع‏,‏ والمصاهرة قطعا‏,‏ ولا في القريب غير المحرم على الصحيح‏.‏

ومنها‏:‏ يكره قتله في جهاد الكفار‏,‏ وقتال البغاة‏,‏ وللجلاد‏.‏ قال ابن النقيب‏:‏ وأما غير القريب من المحارم فلم أر من ذكر المنع من قتله‏.‏

ومنها‏:‏ غسل الميت‏,‏ فيقدم في المرأة نساء المحارم على نساء الأجانب‏.‏ ويجوز لرجال المحارم التغسيل‏.‏ ويختص الأصول والفروع من بين سائر المحارم بأحكام‏:‏

الأول‏:‏ عدم الاجتماع في الملك‏:‏

فمن ملك أبوه‏,‏ أو أمه‏,‏ أو أحد أصوله من الأجداد والجدات‏.‏ من جهة الأب أو الأم‏,‏ أو أحد أولاده وأولادهم‏,‏ وإن سفلوا‏,‏ عتق عليه‏,‏ سواء ملكه قهرا بالإرث‏,‏ أم اختيارا بالشراء‏,‏ أو غيره‏.‏

الثاني‏:‏ جواز بيع المسلم منهم للكافر‏;‏ لأنه يستعقب العتق‏,‏ فلا يبقى في الملك‏.‏ وفي وجه‏:‏ لا يصح‏,‏ لما فيه من ثبوت الملك‏.‏

الثالث‏:‏ وجوب النفقة عند العجز‏,‏ والفطرة‏.‏

الرابع‏:‏ لا يقطع أحدهما بسرقة مال الآخر‏.‏ لشبهة استحقاق النفقة‏.‏

الخامس‏:‏ لا يعقل أحدهما عن الآخر‏;‏ لأن الأصل والفرع بعض الجاني‏,‏ فكما لا يحتمل الجاني‏,‏ لا يحتمل أبعاضه‏.‏

السادس‏:‏ لا يحكم‏,‏ ولا يشهد أحدهما للآخر‏.‏

السابع‏:‏ يدخلون في الوصية للأقارب‏.‏

الثامن‏:‏ تحريم موطوءة كل منهما‏,‏ ومنكوحته على الآخر‏.‏ ويختص الأصول فقط بأحكام‏.‏

الأول‏:‏ لا يقتلون بالفرع‏,‏ ولا له‏.‏ سواء الأب‏,‏ والأم‏,‏ والأجداد والجدات‏,‏ وإن علوا من قبل الأب والأم‏.‏ وحكي في الأجداد والجدات قول شاذ‏,‏ ولو حكم بالقتل حاكم نقض حكمه بخلاف ما لو حكم بقتل الحر بالعبد‏.‏

الثاني‏:‏ لا يحدون بقذف الفرع‏,‏ ولا له كالقتل‏.‏

الثالث‏:‏ لا تقبل شهادة الفرع عليهم بما يوجب قتلا في وجه‏.‏

الرابع‏:‏ لا يجوز المسافرة‏,‏ إلا بإذنهم‏,‏ إلا ما يستثنى‏.‏ وسواء الكافر‏,‏ والمسلم‏,‏ والحر‏,‏ والرقيق‏.‏ الخامس‏:‏ لا يجوز الجهاد إلا بإذنهم‏.‏ بشرط الإسلام‏.‏ وقيل‏,‏ لا يشترط إذن الجد‏,‏ مع وجود الأب‏.‏ ولا الجدة‏,‏ مع وجود الأم‏,‏ والأصح خلافه‏.‏

السادس‏:‏ لا يجوز التفريق بينهم بالبيع حتى يميز الفرع‏,‏ وفي قول حتى يبلغ‏,‏ فإن فعل لم يصح البيع‏,‏ ومثله الهبة‏,‏ والقسمة‏.‏ وكذا الإقالة والرد بالعيب‏,‏ كما صححه ابن الرفعة‏,‏ والسبكي والأسنوي‏.‏ وليس في الروضة ترجيح في السفر‏,‏ كما نقله ابن الرفعة‏,‏ والأسنوي عن فتاوى الغزالي‏.‏ وأقراه‏.‏ بخلاف العتق‏,‏ والوصية‏.‏ وإنما يعتبر الأب والجد للأم‏,‏ عند فقد الأم‏,‏ فلو فرق بينهما‏,‏ وهو مع الأم‏.‏ جاز‏.‏ وفي الأجداد والجدات للأب‏:‏ أوجه‏.‏ يجوز بين الأجداد‏,‏ لا الجدات‏.‏

 والمجنون‏,‏ كالطفل في ذلك‏.‏ قاله في الكفاية‏.‏

السابع‏:‏ إذا دعاه أحد الأبوين‏,‏ وهو في الصلاة‏,‏ ففيه أوجه‏.‏ حكاها في البحر‏.‏

أحدها‏:‏ تجب الإجابة‏,‏ ولا تبطل الصلاة‏.‏

وثانيها تجب ولكن تبطل وصححه الروياني‏.‏

وثالثها‏:‏ لا تجب‏,‏ وتبطل‏.‏

قال السبكي‏,‏ في كتاب بر الوالدين‏:‏ المختار‏:‏ القطع بأنه لا يجب إن كانت الصلاة فرضا‏,‏ سواء ضاق الوقت أم لا‏;‏ لأنها تلزم بالشروع‏,‏ وإن كانت نفلا‏.‏ وجبت الإجابة‏,‏ إن علم تأذيهما بتركها‏.‏ ولكن تبطل‏.‏ قال القاضي جلال الدين البلقيني‏:‏ والظاهر‏:‏ أن الأصول كلهم في هذا المعنى كالأبوين‏.‏

الثامن‏:‏ للأبوين منع الولد من الإحرام بحج التطوع‏.‏ قال الجلال البلقيني‏:‏ والظاهر‏:‏ أنه يتعدى للأجداد والجدات أيضا‏.‏

التاسع‏:‏ لهم تأديب الفرع وتعزيره‏,‏ وهذا‏,‏ وإن فرضه الشيخان في الأب‏,‏ فقد قال الجلال البلقيني‏:‏ يشبه أن تكون الأم إذا كان الصبي في حضانتها كذلك‏,‏ فقد صرحوا في الأمر بالصلاة‏,‏ والضرب عليها‏:‏ بأن الأمهات كالآباء في ذلك‏.‏ قلت‏:‏ وكذا الأجداد والجدات‏.‏

العاشر‏:‏ لهم الرجوع فيما وهبوه للفروع بشرطه‏.‏ والمذهب‏:‏ أن الأب‏,‏ والأم‏,‏ والأجداد‏,‏ والجدات‏,‏ في ذلك سواء‏.‏

الحادي عشر‏:‏ تبعية الفرع في الإسلام إذا كان صغيرا‏.‏

الثاني عشر‏:‏ لا يحتسبون بدين الولد في وجه‏,‏ جزم به في الحاوي الصغير‏.‏

الثالث عشر‏:‏ يسن أن يهنأ كل من الأصول بالمولود‏,‏ واختص الأصول الذكور بوجوب الإعفاف‏,‏ سواء الأب والجد له والجد للأم‏.‏ واختص الأب والجد للأب بأحكام‏:‏

منها‏:‏ ولاية المال‏.‏ وقيل‏:‏ تلي الأم أيضا‏.‏

وتولي طرفي العقد في البيع ونحوه‏.‏

وولاية الإجبار في النكاح‏:‏ للبنت‏,‏ والابن‏.‏

والصلاة في الجنازة‏,‏ والعفو عن الصداق‏,‏ على القديم‏.‏

والإحرام عن الطفل والمجنون‏.‏ وقيل‏:‏ يجوز للأم أيضا‏.‏

وقطع السلعة‏,‏ واليد المتآكلة إذا كان الخطر في الترك أكثر‏.‏

 واعلم أن الجد في كل ذلك معتبر بفقد الأب‏,‏ وقيل‏:‏ له الإحرام مع وجوده‏.‏ واختص الأب بأن فقده شرط في اليتم‏,‏ ولا أثر لوجود الجد‏.‏

واختص الجد للأب بأنه يتولى طرفي العقد في تزويج بنت ابنه بابن ابنه الآخر‏.‏ واختصت الأم بامتناع التفريق كما تقدم‏.‏

قاعدة‏:‏

كل موضع كان للأم فيه مدخل فالشقيق مقدم فيه قطعا‏,‏ كالإرث‏,‏ ومهر المثل‏.‏ وكل موضع لا مدخل لها فيه‏,‏ ففي تقديمه خلاف‏.‏ والأصح أيضا‏:‏ تقديمه‏.‏ كصلاة الجنازة‏,‏ وولاية النكاح‏.‏

قاعدة أخرى‏:‏

لا يقدم أخ لأم‏,‏ وابنه على الجد إلا في الوصية‏,‏ أو الوقف لأقرب الأقارب‏.‏ ولا أخ شقيق‏,‏ أو لأب على الجد إلا في ذلك‏,‏ وفي الولاء‏.‏

فائدة‏:‏

قال البلقيني‏:‏ الجد أبو الأب ينقسم في تنزيله منزلة الأب‏,‏ وعدم تنزيله منزلة الأب إلى أربعة أقسام‏:‏ منها‏:‏ ما هو كالأب‏,‏ قطعا‏.‏

وذلك‏:‏ في صلاة الجنازة بولاية النسب‏,‏ وولاية المال‏,‏ وولاية النكاح بالنسب‏,‏ وأنه لا يجوز للأب أن يوصي على الأولاد‏,‏ مع وجود أبي أبيه‏,‏ كما لا يجوز أن يوصي عليهم‏,‏ مع وجود أبيه‏,‏ وفي الإجبار للبكر الصغيرة‏,‏ والحضانة‏,‏ والإعفاف‏,‏ والإنفاق وعدم التحمل في العقل‏,‏ والعتق بالملك‏,‏ وعدم قبول الشهادة له‏,‏ والعفو عن الصداق إن قلنا به‏.‏

وليس كالأب قطعا في أنه لا يرد الأم إلى ثلث ما يبقى في صورة‏:‏ زوج‏,‏ وأبوين‏,‏ أو زوجة وأبوين‏,‏ فلو كان بدل الأب جد أخذت الأم الثلث كاملا‏.‏

وأن الأب يسقط أم نفسه‏,‏ ولا يسقطها الجد‏.‏

وكالأب على الأصح في أنه يجمع بين الفرض والتعصيب وأنه يجبر البكر البالغة وأن له الرجوع في هبته له‏,‏ وأنه لا يقتل بقتله‏.‏

وليس على الأصح في أنه لا يسقط الإخوة والأخوات لأبوين أو لأب‏,‏ بل يشاركهم ويقدم أخ المعتق العاصب على جده في الإرث والتزويج وصلاة الجنازة والوصية

 لأقرب الأقارب ويدخل في الوصية للأقارب ولا يحتاج إلى فقده في الوصية لليتامى‏,‏ ولا في قسم الفيء والغنيمة‏.‏

فائدة‏:‏

قال في اللباب‏:‏ يترتب على النسب اثنا عشر حكما‏:‏

توريث المال‏,‏ والولاية وتحريم الوصية‏,‏ وتحمل الدية‏,‏ وولاية التزويج‏,‏ وولاية غسل الميت‏,‏ والصلاة عليه‏,‏ وولاية المال‏,‏ وولاية الحضانة‏,‏ وطلب الحد‏,‏ وسقوط القصاص‏,‏ وتغليظ الدية‏.‏

القول في أحكام الولد

قال الأصحاب‏:‏ الولد يتبع أباه في النسب وأمه في الرق والحرية‏,‏ وأشرفهما دينا وأخسهما نجاسة وأخلفهما زكاة وأغلظهما فدية‏.‏ ويقال أيضا أحكام الولد أقسام‏:‏

أحدها‏:‏ ما يعتبر بالأبوين معا‏.‏

وذلك فيه فروع‏:‏

منها‏:‏ حل الأكل‏,‏ فلا بد فيه من كون أبويه مأكولين‏.‏

ومنها‏:‏ ما يجزئ في الأضحية كذلك‏.‏

ومنها‏:‏ ما يجزئ في جزاء الصيد‏.‏

ومنها‏:‏ الزكاة‏,‏ فلا تجب في المتولد بين النعم والظباء‏.‏

ومنها‏:‏ استحقاق سهم الغنيمة‏,‏ فلا يسهم للبغل المتولد بين الفرس والحمار‏.‏

ومنها‏:‏ المناكحة والذبيحة‏,‏ وفيهما قولان والأظهر الاعتبار بهما‏.‏ والثاني‏:‏ الاعتبار بالأب‏.‏

الثاني‏:‏ يعتبر بالأب خاصة‏.‏

وذلك‏:‏ النسب وتوابعه من استحقاق سهم ذوي القربى والكفارة ومهر المثل والولاء فإنه يكون لموالي الأب‏.‏

وقدر الجزية‏:‏ إذا كان لأبيه جزية‏,‏ وأمه من قوم لهم جزية أخرى‏,‏ فالمعتبر‏:‏ جزية أبيه‏.‏

الثالث‏:‏ ما يعتبر بالأم خاصة وذلك الحرية والرق‏,‏ ويستثنى من الرق صور‏:‏

 منها إذا كانت مملوكة للواطئ أو لابنه فإن الولد ينعقد حرا‏.‏

ومنها‏:‏ أن يظنها حرة‏,‏ إما بأن يغتر بحريتها في تزويجها أو يطأها بشبهة ظانا أنها أمته أو زوجته الحرة‏,‏ ولو كان الواطئ رقيقا‏,‏ وحينئذ فهذا حر تولد بين رقيقين‏.‏

ومنها‏:‏ إذا نكح مسلم حربية ثم غلب المسلمون على ديارهم واسترقت بالأسر بعد ما حملت منه‏,‏ فإن ولدها لا يتبعها في الرق لأنه مسلم في الحكم‏.‏

الرابع‏:‏ ما يعتبر بأحدهما غير معين‏.‏

وذلك في الدين وضرب الجزية والنجاسة وتحريم الأكل‏,‏ والأكثر في قدر الغرة تغليبا لجانب التغليظ في الضمان والتحريم‏,‏ وفي وجه أن الجنين يعتبر بالأقل‏,‏ وفي آخر بالأب‏.‏ وأما في الدية فقال المتولي‏:‏ إنه كالمناكحة والذبح‏,‏ ومقتضاه اعتبار الأخس وجزم في الانتصار باعتبار الأغلظ‏,‏ كما يجب الجزاء في المتولد من مأكول وغيره‏,‏ ونقله في الحاوي عن النص‏.‏

وقد قلت قديما‏:‏ 

يتبع الابن في انتساب أباه *** ولأم في الرق والحرية

والزكاة الأخف والدين الأعلى *** والذي اشتد في جزاء وديه

وأخس الأصلين رجسا وذبحا *** ونكاحا والأكل والأضحيه‏.‏

ما يتعدى حكمه إلى الولد الحادث وما لا يتعدى‏.‏

فيه فروع‏:‏

الأول‏:‏ إذا أتت المستولدة بولد من نكاح أو زنا‏,‏ تعدى حكمها إليه قطعا فيعتق بموت السيد‏.‏

الثاني‏:‏ نذر أضحية‏,‏ فأتت بعد ذلك بولد فحكمه مثلها قطعا‏.‏

الثالث‏:‏ ولد المغصوبة مضمون مثلها قطعا‏.‏

الرابع‏:‏ عين شاة عما في ذمته بالنذر فأتت بولد‏,‏ تبعها في الأصح كولد المعينة ابتداء وفي وجه‏:‏ لا‏,‏ وفي وجه آخر‏:‏ إن ذبحت لزم ذبحه معها‏,‏ وإن ماتت فلا‏.‏

الخامس‏:‏ ولد المشتراة قبل القبض للمشتري على الصحيح‏,‏ وهو في يد البائع أمانة‏.‏ فلو مات دون الأم‏,‏ فلا خيار للمشتري لأن العقد لم يرد عليه‏.‏

السادس‏:‏ ولد الأمة المنذور عتقها إذا حدث بعد النذر‏,‏ فيه طريقان الأصح القطع بالتبعية‏,‏ والثاني فيه الخلاف في المدبرة‏.‏

السابع‏:‏ ولد المدبرة من نكاح أو زنا‏,‏ فيه قولان‏:‏ أظهرهما يسري حكمها إليه حتى لو ماتت قبل السيد أو فرق بينهما حيث يجوز‏,‏ أو رجع عنه إن جوزناه لم يبطل فيه‏,‏ أو لم يف الثلث إلا بأحدهما‏,‏ أقرع في الأصح‏.‏

والثاني‏:‏ يوزع العتق عليهما لئلا تخرج القرعة على الولد فيعتق ويرق الأصل‏.‏ الثامن‏:‏ ولد المكاتبة الحادث بعد الكتابة من أجنبي‏,‏ فيه القولان‏,‏ والأظهر التبعية فيعتق بعتقها ما دامت الكتابة باقية‏,‏ ثم حق الملك فيه للسيد كولد المستولدة‏,‏ وقيل‏:‏ للأم‏,‏ لأنه مكاتب عليها‏.‏

التاسع‏:‏ ولد المعلق عتقها بصفة‏,‏ هل يتبعها‏؟‏ فيه القولان في المدبرة لكن المنع هنا‏:‏ أظهر‏,‏ وصححه النووي‏,‏ والفرق‏:‏ أن التدبير يشابه الاستيلاد في العتق بالموت‏.‏

العاشر‏:‏ إذا قال لأمته‏:‏ أنت حرة بعد موتي بسنة‏,‏ فأتت بولد قبل موت السيد‏,‏ ففيه القولان في المدبرة أو بعده فطريقان‏:‏

أحدهما القطع بالتبعية‏;‏ لأن سبب العتق تأكد‏.‏

والثاني‏:‏ أنه على القولين‏.‏

الحادي عشر‏:‏ ولد الموصى بها‏,‏ فيه طريقان أصحهما القطع بعدم التبعية‏.‏

الثاني عشر‏:‏ ولد العارية‏,‏ والمأخوذة بالسوم‏,‏ فيه وجهان أصحهما أنه غير مضمون‏.‏

الثالث عشر‏:‏ ولد الوديعة الحادث في يد المودع‏,‏ فيه وجهان‏:‏

أحدهما‏:‏ أنه وديعة كالأم‏.‏

والثاني أمانة‏,‏ كالثوب تلقيه الريح‏,‏ يجب رده في الحال حتى لو لم يرده كان ضامنا له‏.‏

الرابع عشر‏:‏ ولد الموقوفة يملكه الموقوف عليه كالدور والثمر ونحوها‏.‏ سواء البهيمة والجارية على الأصح وقيل إنه وقف تبعا لأمه كالأضحية‏.‏

الخامس عشر‏:‏ ولد المرهونة الحادث بعد الرهن‏,‏ ليس برهن في الأظهر فإن الفصل قبل البيع لم يتبعها اتفاقا‏.‏

فائدة‏:‏

قال ابن الوكيل‏:‏ قد يظن أن الولد لا يلحق إلا بستة أشهر وهو خطأ‏,‏ فإن الولد يلحق لدون ذلك فيما إذا جني على حامل‏,‏ فألقت جنينا لدون ستة أشهر فإنه يلحق أبويه وتكون العبرة بهما وكذا لو أجهضته بغير جناية كان مؤنة تجهيزه وتكفينه على أبيه وإنما يتقيد بالستة الأشهر‏,‏ الولد الكامل دون الناقص‏.‏

تنبيه‏:‏

اختلف كلام الأصحاب في مسائل الحمل‏,‏ هل يعتبر فيه الانفصال التام أو لا‏,‏ فاعتبروا الانفصال التام في انقضاء العدة ووقوع الطلاق المعلق بالولادة والإرث‏,‏ واستحقاق الوصية‏,‏ والدية‏.‏

فلو خرج نصفه فضربها ضارب ثم انفصل ميتا‏,‏ فالواجب الغرة دون الدية‏,‏ فلو كانت الصورة بحالها وصاح‏,‏ فحز رجل رقبته‏,‏ ففيه القصاص أو الدية على الأصح‏.‏ ولا يعتبر في وجوب الغرة أيضا‏:‏ الانفصال التام على الأصح‏.‏